رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦١
المسلمون فتكلموا به في حياته وبعد وفاته، يقيناً وتسليماً لربهم، وتضعيفاً لأنفسهم، أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره....[١]
إنّ تحذير الخليفة الأُموي من القول بالقدر ورميه القائل به بالابتداع، نابع عن أُمور:
أ. أنّه وليد البيت الأُموي وإن كان يختلف مع أبناء هذا البيت في النزعة والسلوك، إلاّ أنّه يتأثر بآراء هذا البيت، فقد كان الأُمويون على القول بالجبر ومن مروّجي ذلك المنهج الّذي يثبّت دعائم عروشهم.
ب. تصوّر أنّ القول بالقدر يتنافى مع القول بإحاطة علمه تعالى بأفعال العباد، ولذلك كان يرمي القائل بالقدر بالابتداع.
ج. القول بالاختيار، ينافي القول بالقضاء والقدر، فتقديره سبحانه جار في الكون عامّة وفي حياة الإنسان خاصة، ومعه كيف لا يصحّ القول بالاختيار.
وهذه الأُمور جرته إلى نفي القول بالقدر بمعنى الاختيار، لأنّه ينافي سبق علمه سبحانه تبارك وتعالى بأفعال العباد. وبما أنّ علمه تعالى لا يختلف فيكون الإنسان مجبوراً في سلوكه وحياته.
ولكن عزب عن المسكين أنّه سبحانه كما أنّه عالم بصدور فعل من عبده عالم أيضاً بكيفية صدوره والمبادئ الّتي تؤثر في صدوره منه، ومن تلك المبادئ حرية الإنسان واختياره، وعلى ضوء ذلك يعلم سبحانه في الأزل أنّ فلاناً يقوم بهذا الفعل في ظروف خاصة مختاراً.
[١] سنن أبي داود:٤/٢٠٣، الرقم ٤٦١٢. ونقله أبو نعيم في حلية الأولياء:٥/٣٤٦.