رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٢
وأخرجوه من ساحة الإيمان، وتشدّدوا إلى حد جعلوه مخلّداً في النار لخروجه عن ربقة الإيمان، إلاّ أن يتوب.
وتلتهم المعتزلة، الذين جعلوا لمرتكب الكبيرة منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر، ولكنّهم اقتفوا أثر الخوارج فجعلوه مخلداً في النار إذا مات بلا توبة، وحُرم من شفاعة الشفعاء.
إنّ المسلمين اليوم بأمسّ الحاجة إلى توحيد الكلمة ورصّ الصفوف، والابتعاد عن كلّ ما يُفرّق جمعهم. ويشتّتُ كلمتهم. ولو جعلنا هذه الفوارق وما شابهها ممّا يوجب خروج هذه الجماعة من الإسلام لتمزّقت وحدة الأُمّة، وسهل حينئذ ابتلاعها جميعاً من قبل أعداء الإسلام المتربّصين الطامعين.
ونحن نأسف لما مضى من إقدام أتباع بعض المذاهب الإسلامية على تكفير بعضها بعضاً من دون تورّع وتحرّج، فأهل الحديث والحنابلة يكفّرون المعتزلة، والمعتزلة يكفّرون أهل الحديث والحنابلة.
ثمّ لمّا ظهر الأشعري، وحاول إصلاح عقائد أهل الحديث والحنابلة، ثارت ثائرة تلك الطائفة ضدّه، فأخذ الحنابلة يكفّرون الأشاعرة، ويلعنونهم ويسبّونهم على صهوات المنابر.
فهذا هو تاج الدين السُّبكي يقول حول تكفير الحنابلة للأشاعـرة: هذه هي الفتنة التي طار شررها فملأ الآفاق وطال ضررها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق وعظم خطبُها وبلاؤها، وقام في سبّ أهل السُّنة(يريد بهم الأشاعرة) خطيبها وسفهاؤها، إذ أدّى هذا الأمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجمع، وتوظيف سبِّهم على المنابر، وصار لأبي الحسن الأشعري ـ كرّم اللّه وجهه ـ بها أُسوة بعليّ بن أبي طالب ـ كرّم اللّه وجهه ـ في زمن بعض بني أُميّة