رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٣
بين التجسيم والتعقيد
قد عرفت أنّ ابن تيمية وأتباعه يفسّرون الصفات الخبرية بنفس معانيها الإفرادية، ولمّا كان القول به ملازماً للتجسيم والتشبيه تدرّعوا، بلفظ «بلا كيف» أو «ممّا يليق بساحته» أو ما أشبهه. وصار ذلك سبباً لاتّسام العقيدة الإسلامية بالتعقيد، مع أنّ العقيدة الإسلامية متّسمة بالسهولة والوضوح.
ذلك لأنّ اليد والوجه والرِّجل موضوعة للأعضاء الخاصة في الإنسان ، ولا يتبادر منها إلا ما يتبادر عند أهل اللغة، وحينئذ فإن أُريد منها المعنى الحقيقي يلزم التشبيه، وإن أُريد غيره فذلك الغير: إمّا معنى مجازي أُريد من اللفظ بحسب القرينة فيلزم التأويل، وهم يفرّون منه فرار المزكوم من المسك، وإمّا شيء لا هذا ولا ذاك، فما هو ذلك الغير؟ بيّنوه لناحتى تتّسم العقيدة بالوضوح والسهولة، ونبتعد عن التعقيد والإبهام، وإلا فالقول بأنّ له وجهاً لا كالوجوه، ويداً لا كالأيدي، ألفاظ جوفاء وشعارات خداعة لا يستفاد منها شيء سوى تخديش الأفكار وتضليلها عن جادة الصواب.
وباختصار: إنّ المعنى الصحيح لا يخرج عن المعنى الحقيقي والمجازي، وإرادة أمر ثالث خارج عن إطار هذين المعنيين يعدّ غلطاً وباطلاً، وعلى هذا الأساس لو أُريد المعنى الحقيقي لزم التشبيه بلا إشكال، ولو أُريد المعنى المجازي لزم التأويل، والكلّ ممنوع عندهم، فما هو المراد من هذه الصفات الواردة في الكتاب والسنّة؟!
إنّ ما يلهجون به ويكرّرونه من أنّ هذه الصفات تجري على اللّه سبحانه بنفس معانيها الحقيقية ولكن الكيفية مجهولة، أشبه بالمهزلة، إذ لو كان إمرارها على اللّه بنفس معانيها الحقيقية لوجب أن تكون الكيفية محفوظة حتى يكون