رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٨
عندما دعا ربّه أن ينزل مائدة عليه، وعلى حواريّيه، بقوله: (رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأوّلنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقينَ)[١]، اتّخذ يوم نزول النعمة المادية الّتي تشبع البطون عيداً، والرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)هو أعظم نعمة منَّ اللّه بها على المسلمين، فكيف لا نتخذ يوم ولادته عيداً ويوم فرح وسرور؟
نعم لم يرد النص على الاحتفال في هذا اليوم أو هذا الشهر بالخصوصية الكذائية، فالاحتفال بهذا العنوان بدعة بلا شك، لأنّ الخصوصية ليست منصوصة، وإنّما المنصوص هو التكريم والتبجيل، وله أسباب وطرق ومظاهر، والاحتفال هو أحد هذه الطرق والوسائل. والمسلمون لا يحتفلون بنية ورود الأمر به في ذلك اليوم الخاص وإنّما يختارون يوم ميلاده لمناسبات عرفيّة نظير احتفال الإنسان بيوم ولادته.
وأخيراً: ما ذكره من أنّ السلف لم يحتفل بذلك مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، كلام خال عن التحقيق، وذلك للأُمور التالية:
أوّلاً: أنّ المسلمين قد احتفلوا بذكراه في أواسط القرن الرابع في القاهرة، وذلك في خلافة المعز لدين اللّه عام ٣٦١هـ، ثمّ درج عليه حكام الأقطار الإسلامية الأُخرى عدة قرون، وبذلك تحقّق الإجماع على جوازه واستحبابه قبل أن يولد ابن تيمية(٦٦٢ـ ٧٢٨هـ). وانعقد قبله بقرون، وإجماع المسلمين على جواز شيء في عصره حجّة في أعصار متوالية؟!
ثانياً: أنّ الصحابة لم تحتفل بذلك، ففيه أنّ عملهم دليل على الجواز، وأمّا عدم احتفالهم فلا يعدّ دليلاً على التحريم، وكم من مشاريع علمية وصناعية قام
[١] المائدة:١١٤.