رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٨
أو ما أثبتته التجربة ليس من الحقائق المسلّمة، بل فرضية سوف تتبدل إلى فرضية أُخرى.
وعندما ظهرت نظرية «دارون» في أُصول الإنسان، حسب المادّيون أنّهم قد توسّلوا بسلاح حادّ لضرب المتدينين القائلين بخلق الإنسان من الطين، ولكن لم يلبث أن قامت الأدلة القاهرة على بطلان هذه النظرية وقامت مقامها نظرية أُخرى، وهكذا تتابعت النظريات إلى يومنا هذا.
٨. صلة الدين بالأخلاق
إنّ الأخلاق جزء من الدين وليست شيئاً خارجاً عنه، وقد مرّ أنّ الاعتقاد باللّه دعامة الأخلاق، بحيث لو انهارت هذه الدعامة لم يبق هناك ما يدعم القيم الأخلاقية، ولأجل إيضاح المقام نقول: إنّ الفضائل والسجايا الكريمة جزء من فطرة كلّ إنسان، وإنّ الميل إلى الخير وكراهة الشر أمران مغروسان في جبلّة البشر فهم يحبّون الخير وأهله ويكرهون الشر وأهله، ولكن هذه البذور والخمائر لا تستطيع مقاومة الغرائز ومزاحمة الشهوات إلاّ إذا قويت ونمت، وهي لا تنمو إلاّ في ظلّ الدين الذي ينطوي على الاعتقاد باللّه واليوم الآخر وما وعد فيه من مثوبات عظيمة على الخيرات، أو عقوبات شديدة على ارتكاب الشرور والآثام، وبهذا تكون العقيدة خير وسيلة لتنمية السجايا النبيلة في الكيان الإنساني وخير سبيل إلى تقويتها ودعمها.
وقد سبق منّا: انّ الدين دعامة الأخلاق ولنعم ما قاله الشاعر:
وإنّما الأُمم الأخـلاق مـا بقيت *** فإن هُمُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا