رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣٨
يقول الإمام أحمد بن حنبل في كتاب «السنّة»: «والقرآن كلام اللّه ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهميّ كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام اللّه عزّ وجلّ ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام اللّه، فهو جهميّ، ومن لم يكفّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم».[١]
إنّ السّلفيين وحتّى أتباعهم في هذه الأيّام يتحرّجون من القول بأنّ اللّه ليس بجسم، قائلين بأنّه لم يرد فيه نصّ في الشّريعة، ولكن يتشدّقون بقدم القرآن وعدم حدوثه بلا اكتراث، سالفهم ولاحقهم حتّى جعلوه أصلاً يدور عليه إسلام المرء وكفره.
وأنا أُجلّ الإمام أحمد، من هذا التطرّف والتشدد الّذي أفضى به إلى تكفير من لم يكفّر هؤلاء القوم، ولعل الرسالة موضوعة على لسانه، كما عليه بعض أهل التحقيق.
ماذا يراد من قدم القرآن؟ فإن أُريد قدم علمه سبحانه فلا شكّ انّ علمه بما في القرآن قديم، وإن أُريد به قدم ما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين فلا شكّ أنّه حادث، وكيف يمكن أن يكون قديماً وهو فعله سبحانه، وكلّ ما سواه فهو حادث وإن أُريد من نفي كونه مخلوقاً انّه غير مختلق فهو حقّ لا غبار عليه، كيف والاختلاق تهمة ألصقها المشركون بالقرآن فقالوا: (مَا سَمِعْنَا بِهَذا فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذا إِلاّ اخْتِلاقٌ).[٢]
وكيف يعدّ القول بعدم حدوث القرآن أو حدوثه ملاكاً للإيمان والكفر مع
[١] كتاب السنّة:٤٩.
[٢] ص:٧.