رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٠
طريقة المحقّقين في تفسير الصفات الخبرية
طالما تمسّك السلف والسلفيون، بالآية التالية لإثبات الرؤية الحسّية للّه، قال سبحانه:
(كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ) [١] ،وقال سبحانه:(وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ).[٢]
إنّ هذه الآية شغلت بال المثبتين والمنكرين للرؤية، فالفرقة الأُولى تُصرّ على أنّ النظر بمعنى الرؤية، والثانية على أنّها بمعنى الانتظار.
غير أنّ الإصرار على تفسير لفظ الناظرة وأنّها هل هي بمعنى الرؤية أو الانتظار ليس أمراً مهماً، بل المهم هو التفسير الجملي لا الإفرادي.
نحن نسلم أن النظر هنا بمعناه اللغوي قطعاً، ولكن القرائن تدلّ على أنّ المراد الجدّي هو الانتظار، فاستعمل اللفظ في المعنى اللغوي ولكن صار ذريعة إلى المعنى الثاني المكنّى عنه بمعنى الانتظار، كما في قولك: (زيد كثير الرماد) في مقام المدح مشيراً به إلى سخائه، وإلا فالمعنى الإفرادي يكون ذمّاً لا مدحاً .
وبما أنّ حمل الجملة على الكناية ليس بصحيح إلا بقرائن قاطعة تقود الإنسان إليها، نعطف نظر القارئ الكريم إلى تلك القرائن:
نجد إنّ هنا آيات ست وتقابلات ثلاثة والتنظيم لها بالشكل التالي:
١.(كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) يقابلها (وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ) .
[١] القيامة:٢٠ـ ٢١.
[٢] القيامة:٢٢ـ ٢٥.