رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٤
صِنوان يُسْقى بِماء واحد وَنُفضّلُ بعضَها عَلى بَعْض في الأُكُلِ إِنَّ في ذلِك لآيات لِقَوم يَعْقِلُون).[١]
فتستدلّ الآية على أنّ تدبيره سبحانه فوق تدبير الفواعل الطبيعية، وذلك بشهادة أنّ الجنّات تثمر أثماراً مختلفة مع وحدة الشرائط والظروف المحيطة بها من وحدة الماء والأرض، وهذا يدلّ على أنّ وراء الأُمور الطبيعية والأسباب الماديّة مدبّراً فوقها، وعلى الرغم من هذا الاعتراف إلاّ أنّه لا ينفي تأثير العوامل الطبيعية ولكن يراها غير كافية في خلق هذا التنوّع.
وبذلك يظهر أنّ ما ذكره ابن خلدون حول تأثير الأسباب ولزوم الغضّ عنها دون شأنه جدّاً وكان المترقب منه غير ذلك، لكن سيطرة مذهب الأشعري على العقول، أثّرت على تفكيره فعاد يفكر كأنّه أشعري مطلق، بل حنبلي محض. يقول: تأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الأسباب والوقوف معها فإنّه واد يهيم فيه الفكر ولا يحلو منه بطائل ولا يظفر بحقيقته ـ إلى أن قال: ـ فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبّباتها مجهول، لأنّها إنّما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة، فلذلك أُمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة والتوجّه إلى مسبّب الأسباب كلّها وفاعلها وموجدها لترسخ صفة التوحيد في النفس.
فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع وحقّت عليه كلمة الكفر، وإن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحداً بعد واحد فأنا الضامن له أن لا يعود إلاّ بالخيبة، فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب
[١] الرعد:٤.