رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٦
٩. تبارك اللّه رب العالمين: تعاظم اللّه رب العالمين تعالى فيما لم يزل ولايزال.
نعود مرّة أُخرى ونتدبّر هذه المقاطع، فنجد أنّ قائل هذه الجُمَل ـ عزّ اسمه ـ يتحدّث عن عظمته وأنّه الخالق، خالق العالم ومدبّره، وأنّه خلقه في ستة أيّام، ويغشي الليل النهار، وهو يطلبه، وأنّ الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، وليس هناك من خالق ومدبّر إلا هو، ولا مؤثّر في الكون إلا بإذنه، ثم رتّب على ذلك تارة وجوب عبادته، لكونه القائم بالخلق والتدبير والأمر، فتجب عبادته دون غيره كما في الآية الأُولى; وأُخرى تعظيمه وتنزيهه كما في الآية الثانية.
ما ذكرناه خلاصة مضمون الآيتين، فعندئذ يجب أن تكون هناك مناسبة ذاتية بين استوائه على العرش والإخبار عن هذه الأُمور الكونية، فلو فُسّر الاستواء بمعنى الجلوس على العرش، تفقد الجملة المناسبة وتصبح جملة فاقدة الصلة بما قبلها وما بعدها.
فما هي المناسبة بين التحدّث عن عظمة الخلقة وسعتها وما فيها من السنن الكونية والتحدّث عن جلوسه على السرير، وهذا هو الّذي دفع المحقّقين إلى التدبّر في الآية حتى يفسّروها بالظهور التصديقي لا بالظهور التصوّري، وبالظهور الجُملي لا بالظهور الإفرادي. وهذا يتحقّق بأمرين:
أ. تفسير الاستواء بالاستيلاء، لا بالجلوس والاستقرار .
ب. جعل العرش كناية عن السلطة والقدرة، لا بمعنى السرير .
أمّا الأوّل: فقد استعمل في اللغة العربية لفظ الاستيلاء بمعنى الاستواء، قال الأخطل يمدح بشراً أخا عبد الملك بن مروان حين تولّى إمرة العراقيين: