رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٤
إنّ هؤلاء ـ الذين يتبرّأون من المشبِّهة والمجسِّمة (ولكنهم منهم) ويتستّرون بـ «البلكفة» أو «ما يليق بساحته سبحانه» ـ أخذوا بحرفية قوله سبحانه:(ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) والظهور التصوري المتزلزل وتركوا الظهور التصديقي المستقرّ.
قال مؤلّف «موقف المتكلّمين»: روي عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال: والعرش فوق الماء واللّه فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.[١]
وعن الأوزاعي قال: كنّا والتابعون نقول إنّ اللّه على عرشه، ونؤمن بما وردت به السُّنّة .[٢]
وذكر ابن القيّم: أنّه روى غير واحد باسناد صحيح عن عبد الرحمن بن مهدي أنّه قال: إنَّ الجهمية أرادوا أن ينفوا أن اللّه كلّم موسى وأن يكون على العرش، أرى أن يُستتابوا، فإن تابوا وإلا ضُربت أعناقهم.[٣]
إلى غير ذلك من الكلمات الظاهرة في التجسيم، وأنّه سبحانه في السماء لا في الأرض، يجلس على سريره ينظر إلى ما دون العرش ولا تخفى عليه أعمال عباده.
هؤلاء بدلَ أن يتدبّروا في نفس الآيات الوارد فيها الاستواء على العرش ويرجعوا إلى عقولهم، لاذوا بكلمات السلف غير المعصومين ثم أوعدوا المخالف بالسيف، كما في كلام ابن القيّم.
وأمّا المحقّقون الَّذين يتدبّرون القرآن حسب ما أمر به الذكرُ الحكيم، فقد رجعوا إلى نفس الآيات وتدبّروا الجملَ الحافّة بهذه الجملة، ثم قاموا بتفسيرها
[١] التمهيد، لابن عبد البر:٧/١٣٩.
[٢] الأسماء والصفات للبيهقي:٥١٥.
[٣] الفتوى الحموية:٥/٤٠.