رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦٣
إلى أن يقول: وهذا قول ابن أبي ليلى، وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري، وداود بن علي رضي اللّه عنهم أجمعين، وهو قول كلّ من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة رضي اللّه عنهم، لا نعلم منهم في ذلك خلافاً أصلاً.[١]
نعم نحن لا نوافق ابن حزم فيما ذكره بشكل مطلق، ذلك أنّ من خالف في شيء يعدّ من ضرورات الكتاب والسنّة يجب أن يُفسّق أو يكفر، ومثال ذلك أنّ الأُمّة أجمعت على حبّ عليّ وأهل بيته، ويكفك في ذلك ما روته طائفة من الصحابة أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يا علي لا يحبك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق».
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«من أحبّ علياً فقد أحبّني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني، ومن آذى علياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللّه».[٢]
فإذا كان حبّ علي(عليه السلام) بهذه المنزلة وهذه الدرجة من الوضوح، فلا ريب في أنّ من يخالفه إنّما يخالف ما ثبت بالضرورة من الدين.
نعم نوافقه في أكثر ما أفاده من أنّ الخلاف في المسائل العلمية النظرية الّتي لم يثبت أنّ أحد الرأيين فيها من ضروريات الدين لا يوجب التكفير والتفسيق ما لم يهدم أحد الأُصول الثلاثة.
وقد ذهب ضحيّة هذا التطرف أبو سهل محمد بن هبة اللّه العالم الكبير المعروف بأبي سهل (٤٢٣ـ ٤٥٦هـ) وإليك ما قاله بهذا الشأن عند ترجمة السبكي له في طبقاته:
أنّه لما بلغ من سُموّ المقام أرسل إليه السلطان الخِلَع، وظهر له القبول عند
[١] الفِصَل، لابن حزم:٣/٢٤٧.
[٢] الاستيعاب:٣/٢٠٤. ط دار الكتاب العلمية بيروت، ط ١، عام ١٤١٥هـ.