رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٢
ثمّ كيف يوصف هذا النوع من الخضوع عبادة للنبي، مع عدم صدق حدّها عليه، فإنّها عبارة عن الخضوع لشخص بما أنّه إله العالمين، أو لمن فوّض إليه أُموره سبحانه فصار إلهاً صغيراً، بيده التدبير والنصر، والعزّ، والذلّة، والمغفرة، والشفاعة، كما كان عليه المشركون في عصر الرسالة حيث كانوا يسوّون بين الأوثان وإله العالمين كما يحكي عنهم سبحانه بقوله:(تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ).[١]
وكانوا يعبدون الأوثان، بتصوّر انّ العزة في الحياة الدنيا، أو الانتصار في الحرب بأيديهم وقد فوّض اللّه سبحانه ذلك لهم. كما يقول سبحانه:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً).[٢]
وقال عزّ من قائل:(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ).[٣]
وأين هذا من التوسّل بقدسية النبي ومنزلته عند اللّه، بما أنّه من عباد اللّه الصالحين، فالعبودية جوهره، والحاجة إلى اللّه سبحانه، طبيعته، لم يفوّض إليه شيء من الشفاعة والتدبير.
يا للّه وللأفهام الصافية والأذهان المستقيمة، الّتي تجعل التوسّل بالنبيّ بما هو عبد صالح مقرّب عند اللّه، والتوسل بالآلهة المزعومة ـ الّتي يتخيل المتوسل انّه فوض إليها أمر التكوين والتشريع، والشفاعة والمغفرة ـ في كفّ واحد!!
وهاهنا وثيقة تاريخية ننقلها بنصّها تعرب عن توسّل الصحابة بدعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حال حياته أوّلاً، وبقدسيّته وشخصيته ثانياً، والمقصود من نقلها هو الاستدلال على الأمر الثاني.
[١] الشعراء:٩٧ـ ٩٨.
[٢] مريم:٨١.
[٣] يس:٧٤.