رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٣٠
هذه الأُمور ـ من أبسط التحوّلات إلى أعمقها ـ أنّها من محدثات الأُمور وأنّها بدعة، وهذه قرينة منفصلة على تفسير حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ المراد من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) «شر الأُمور محدثاتها»[١] هو الأُمور المحدثة في متن الشريعة بالزيادة أو النقيصة ويشهد على ذلك أيضاً صدر الحديث وذيله.
ففي صدره: «انّ أصدق الحديث كتاب اللّه»، وفي ذيله:«وكلّ بدعة ضلالة».
فالصدر والذيل شاهدان على أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بصدد المحافظة على الشريعة والدعوة الإسلامية حتّى لا يتلاعب فيها المبدع بأهوائه، فيزيد فيها شيئاً باسم الشريعة أو ينقصه أيضاً كذلك.
وأمّا الأُمور الّتي لم يحرّمها الشارع في أصل الشريعة، لا في كتابها ولا في سننها، ولكن وصل إليها المسلمون من جراء عوامل شتى، فلا صلة لهذه الأُمور المحدثة بالحديث الشريف المذكور.
روى مسلم في صحيحه أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه كأنّه منذرُ جيش ثمّ يقول: «أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب اللّه، وخير الهدي هدي محمد...».
ومن الواضح أنّ سبب غضبه ليس إلاّ تدخّل المبتدع في شريعته، لا مطلق التدخل في شؤون الحياة وأن لم تمسّ دينه خصوصاً إذا كان فيه مصلحة الإنسان.
كيف يمكن للصادع بالحق أن يوقف عجلة الحياة عن السير إلى الإمام حتّى يعيش المسلمون عيشة بدائية، مع أنّه يأمر بالتسلّح بما استطاعوا من قوة، وهو يلازم التجاوز عن الحياة البدائية، وإعداد أفتك الأسلحة وأعقدها أمام
[١] مسند أحمد:٣/٣١٠، دار الفكر.