رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٢
يقول: هذا ما بنيته بيدي، أو ما صنعته بيدي، أو ربّيته بيدي، ويراد من الكلّ هو القيام المباشري بالعمل، و ربّما استعان فيه بعينه و سمعه و غيرهما من الأعضاء، لكنّه لا يذكرها و يكتفي باليد، وكأنّه سبحانه يندِّد بالشيطان بأنّك تركت السجود لموجود اهتممت بخلقه و صنعه.
و نظير ذلك قوله سبحانه: (أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ)[١] ، فالأيدي كناية عن تفرّده تعالى بخلقها، لم يشركه أحد فيها. فهي مصنوعة للّه تعالى والناس يتصرّفون فيها تصرف الملاك، كأنّها مصنوعة لهم، فبدل أن يشكروا يكفرون بنعمته. وأنت إذا قارنت بين الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي، والمدار في الموافقة والمخالفة هو الظهور التّصديقي لا التصوّري.
قال الشريف المرتضى: «قوله تعالى:( لما خلقت بيديّ) جار مجرى قوله «لما خلقت أنا»، و ذلك مشهور في لغة العرب، يقول أحدهم: هذا ما كسبت يداك، وما جرّت عليك يداك. و إذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشي قدمه، ولا ينطق لسانه، ولا تكتب يده، وكذلك في الإثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل».
وقس على ما ذكر سائر الموارد الباقية التي أوعزنا إلى عناوينها في صدر البحث.
فابن تيمية وأتباعه يأخذون بحرفية المعنى، والظهور البدائي دون التدبّر في الظهور التصديقي، وما يعطيه السياق أو سائر القرائن.
[١] يس:٧١.