رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٩٧
الصنعة، ولا اقتضاه الكلف بالمحسنات، وأكثره ممّا يأتي عفواً بلا كد خاطر ولا تجشم هول، ومثله في عبارات عصره واقع، ومن عرف أنّ ابن أبي طالب كان حامي عرين الفصاحة وابن بجدتها لم يعسر عليه التسليم.[١]
ونضع أمام الشيخ نموذجاً من السجع المتكلّف الرائج في العصر العباسي حتّى يعلم أنّ ما جاء في نهج البلاغة نتج عفواً وبلا تكلّف.
هذا هو الحريري أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري صاحب «المقامات» المشهور، وتعمقه في الصناعة يغنينا عن إيراد كثير من نثره ونظمه. فمن نثره قوله:
«فمذ اغبر العيش الأخضر، وازوّر المحبوب الأصفر، اسودّ يومي الأبيض، وابيض فؤادي الأشيب، حتّى رثى لي العدو الأزرق، فياحبذا الموت الأحمر».
فيا شيخنا القاضي بالحق: قسْ هذا الكلام بقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في عدم الاغترار بالدنيا أعني قوله: فإنّ الدنيا قد أدبرت، وآذنت بوداع، وإنّ الآخرة قد أشرفت باطّلاع، ألا وإنّ اليوم المضمار وغداً السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار، أفلا تائب من خطيئته قبل منيته؟[٢]
وكأن المشكّكين ينكرون على أصحاب المواهب أن يبتكروا ويجودوا بعطاءاتهم الفذة، وأمير المؤمنين ـ كما أصفق الجميع ـ من العباقرة الذين جاءوا في زمن غير زمانهم، ويُبدعوا فلا بِدْعَ أن يكون عطاؤه متميزاً في النحو (وهو مؤسسه) والبلاغة والفقه والكلام والتفسير وغيرها من المجالات.
وأنت ترى أنّ أرباب الأدب و اللغة والفصاحة والبيان من لدن جمعه إلى
[١] نهج البلاغة شرح الإمام محمد عبده، قم المقدسة، ص«و».
[٢] نهج البلاغة، الخطبة:٢٧.