رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨
وكانوا يستغنون بالكتاب والسنّة عن استعمال الأُصول المنطقية والعقلية.
يلاحظ عليه: أنّ السلف الصالح لم يكونوا على وتيرة واحدة، فعليّ(عليه السلام)وأهل بيته وشيعتهم ولفيف من أهل السنّة يرون التفكير فريضة إسلامية، وكانوا يخوضون في بحار المعارف ويستدلّون بالأقيسة الصحيحة على النتائج.
وأصحّ دليل على ذلك خطب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) واحتجاجات تلاميذه وتابعيه.
والحاصل: انّ رائدنا في الخوض في المباحث العقلية، هو قوله سبحانه: (ادعُ إِلى سَبيلِ ربّكَ بِالحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهُمْ بِالّتي هي أَحسَن).[١] فما هو المراد من الحكمة؟ فهل هي كلّ كلام أو فكر مقرون بالبرهان أو الدليل كما أنّ المراد من الجدل هو الاحتجاج على الخصم بأقواله؟
٥. وقال أبو الوفاء ابن عقيل لبعض أصحابه: أنا أقطع انّ الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت انّ طريقة المتكلّمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت.[٢]
يلاحظ عليه: أنّ معنى ذلك إيقاف ركب العلم عن التقدّم، فلا شكّ انّ العلوم الكونية قد تقدّمت وكشفت عن مكامن وقوانين لم تكن معروفة للصحابة، أفيصحّ ـ في منطق العقل ـ رفض هذه العلوم بحجّة انّ الصحابة كانوا يجهلونها؟! لاأدري متى أصبحت طريقة الصحابة محوراً للحقّ ومعياراً لتمييز الصحيح عن الفاسد... والقرآن يدعو إلى التفكير في السماوات والأرض ويقول: (أَوَ لَمْ يَنْظُروا في مَلَكُوتِ السَّمواتِ والأَرض)[٣]، ويقول: (أَفَلَمْ يَنْظُروا إِلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ
[١] النحل:١٢٥.
[٢] تلبيس إبليس:٨٣، مرّ نقل ذلك أيضاً في ص٢٣.
[٣] الأعراف:١٨٥.