رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦٦
وثيقة اعتقادية لحفظ النفس!!!
كان العلماء العظام الأحرار على وجل من الغاغة والأوباش، حيث كانوا يتّهمون العلماء الكبار بالفسق والكفر، وكان بعضهم يتأبّط دائماً وثيقة أحد القضاة لإثبات صحة إيمانه.
وإن كنت في شكّ من ذلك فاقرأ ما ذكره ابن حجر في «الدرر الكامنة» قال:
إنّ العالم الجليل الّذي هو زينة عصره، وتاج دهره، كان لا يأمن على نفسه من الإفك عليه، هوالسعاية به، فيما يكفِّره ويحلّ دمه، حتّى صار يخشى على نفسه مَنْ أخذت منه السنّ، وأقعده الهرم، وأفلجته الشيخوخة، ولا من راحم أو منصف، كما نقرأ ذلك في ترجمة علاء الدين العطّار تلميذ الإمام النووي، وأنّه مع زمانته، وكونه صار حلس بيته، يتأبّط دائماً وثيقة أحد القضاة بصحّة إيمانه وبراءته من كلّ ما يكفِّره.[١]
ولقد أُريقت دماء محرّمة، وعذّبت أبرياء بالسجون والنفي والإهانات باسم الدين، وروّعت شيوخ وشبّان أعواماً وسنين، حتّى عجّ لسان حالها بالدعاء إلى فاطر الأرض والسماوات، بكشف هذه الغمم والظلمات.
التاريخ يعيد نفسه
لقد حفل التاريخ بدعوات التكفير والتضليل وإلصاق التهم الجاهزة ببعض الفرق أو الأعلام، وقد استفحل هذا في عصرنا وأصبح أشدّ ممّا كان عليه في منتصف قرون الألف الأوّل من الهجرة، فالمسلمون بعامّتهم مضلّلون، إلاّ من
[١] الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة:٣/٧٤.