رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١
في «إيثار الحق على الخلق» وما جمعه مؤلف «علاقة الإثبات والتفويض» [١] من كلمات المنتمين إلى السلف، كلّها مشاغبات ومناظرات في غير محلّها، تكشف عن أنّ هؤلاء لم يَمسّوا كتاباً كلامياً، ولم يناظروا متكلّماً إسلامياً.
إنّ الإسلام دين عالمي تكلّم في الكون والتشريع بأبسط الوجوه، ومن المعلوم أنّ خصومه يتربّصون به الدوائر فيثيرون عجاجة الشبهات على أُصوله وفروعه بين حين وآخر، وطبيعة الحال تقتضي أن يكون هناك علماءٌ أفذاذ محيطون بمنطق الخصم وحقيقة الإسلام، ليردّوا عنه سهام الأعداء ، ويصونوا المسلمين من الوقوع في مصائد هؤلاء، والمتكلّم هو ذلك الإنسان الرسالي المدافع بمنطقه وأُسلوبه عن كيان الإسلام وعقيدة المسلمين بأساليب مختلفة و في كلّ زمان.
فلو ترك الإسلام دون أن يناظر في أُصوله وفروعه لاعتراه الوهن وخَمَد نوره، وانطلاقاً من ذلك صار علم الكلام ضرورة زمنية ملحة.
نعم إنّ العقيدة الإسلامية التي هي عصارة الكتاب العزيز، والسنّة النبوية، بنيان مرصوص لا تتزعزع بالترّهات والشبهات، فهي كالجبل الراسخ لا تحركه العواصف.
نعم العقيدة الإسلامية ـ كما وصفت ـ لها رصيدها الغيبي ، وهي مستقاة من الوحي الذي لا يتطرق إليه الخطأ.
لكن الذي يُحَفِّز المفكر الإسلامي على مزاولة علم الكلام ومدارسته، والتطلّع إلى سائر المدارس البشرية أو الإلحادية ، هي أُمور نشير إليها إجمالاً:
١. انّ المجتمع البشري صار ـ اليوم ـ كقرية واحدة، والمسلمون يعيشون في أجواء وثنايا التيارات المتضادة وهم ليسوا ببعيدين عن أصحاب
[١] طبع بمكة، وقدّم له ابن باز.