رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٧
البدع؟ قال: أصحاب البدع هم الذين يتكلّمون في أسمائه وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، و لا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة و التابعون لهم بإحسان .[١] لعلّه ناظر إلى هذه الطائفة الذين لو خاضوا فيها، فسدوا وأفسدوا، ولم يأتوا بشيء.
وأمّا إذا انتُقل إلى المرحلة الثانية، أي مرحلة الفهم والدراية والبحث والنظر وصياغة العقائد في ضوء الكتاب والسنّة والعقل، فلا يصحّ له الاكتفاء بالإقرار والإمرار، فإنّ الاستطلاع أمر طبيعيّ للبشر، وهو أحد الأبعاد الأربعة الروحية له، فلا يمكن كبح جماح فهمه ونظره بحجّة أنّ الصحابة و التابعين سكتوا عنه، وكأنّ السلف هم القدوة دون الذكر الحكيم، ودون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعترته الذين تكلّموا فيها، وأضاءوا الطريق لسالكيه، وكأنّ قوّة التفكير والنظر والمواهب العقلية المودعة في الإنسان خلقت سدىً وبلا غاية.
وهل يمكن أن يفرض على عمالقة الفكر وأصحاب المواهب العقلية أن يقفوا دون هذه المعارف ويُطفئوا أنوار عقولهم ليصبحوا كأجلاف البيداء لا همّ لهم سوى الأكل والشرب والسير طلباً للماء والعشب؟!
وعلى هذا فيجب تصنيف الناس إلى صنفين: قابل وغير قابل، مستعدّ وغير مستعدّ، فلو صحّ الحرمان فإنّما للسوقة من الناس دون من أُوتي تفكيراً قوياً واستعداداً وقّاداً.
ثمّ إنّه كما يجب تصنيف الناس، يجب تصنيف المسائل بين ما يمكن للإنسان الخوض فيه والرجوع عنها بفكرة صحيحة، وما لا يمكن للإنسان دركه
[١] الدكتور أحمد محمود صبحي: في علم الكلام:١/٢١ نقلاً عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، لمصطفى عبد الرازق:١٥٥، طبعة ١٩٤٤م.