رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠١
سنّة، وما لم يداوم عليه سُمّي مندوباً.
ولذلك نرى ذلك التقسيم الرائج، أي تقسيم الفعل إلى سنّة وبدعة.
وعلى كلّ تقدير فهذا الاتجاه ليس فيه كثير فائدة.
الاتجاه الثاني: الّذي يأخذ بالمعنى الرائج في عصر الرسالة وحين نزول القرآن الكريم، وهو كلّ أمر دخل في الشريعة ولم يكن له رصيد فيها من غير فرق بين العبادات والمعاملات والعاديات.
وعلى هذا جرى الإمام الشاطبي في كتابه «الاعتصام» الّذي ألّفه في جزءين، عقد عامة مباحثه الّتي ترجع إلى البدعة بهذا المعنى.[١]
وقد عرّف البدعة وفق هذا الاتّجاه وقال: البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية.
وقال في إيضاحه: ولمّا كانت الطرائق في الدين تنقسم ـ فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها ـ خصّ منها ما هو المقصود بالحدّ وهو القسم المخترع، أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدّمها من الشارع، إذ البدعة إنّما خاصّتها أنّها خارجة عمّا رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كلّ ما ظهر لبادي الرأي أنّه مخترع ممّا هو متعلّق بالدين، كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأُصول الفقه وأُصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة. فإنّها وإن لم توجد في الزمان الأوّل فأُصولها موجودة في الشرع، إذ الأمر بإعراب القرآن منقول، وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنّة فحقيقتها إذاً أنّها فقه التعبّد
[١] يعدّ الشيخ الشاطبي(المتوفّى عام ٧٥٠هـ) من المفكّرين وصاحب منهج في الفقه الإسلامي، وله جهود متميزة في إرساء بعض القواعد الفقهية كمقاصد الشريعة وغيرها، ولكنّه كان مطنباً في الكلام، وقد خصّص كتابه «الاعتصام» بكلا جزءيه لمباحث البدعة.