رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥١
وقياس طلب الشفاعة من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بطلب الوثنيين الشفاعة من الأصنام قياس مع الفارق، لأنّ المشركين كانوا على اعتقاد بأُلوهية معبوداتهم وربوبيتها، وأين هذا من طلب الموحد الذي لا يراه إلهاً ولا ربّاً ولا ممّن بيده مصير حياته؟! وإنّما تعتبر الأعمال بالنيات لا بالصور والظواهر.
د. التوسّل بذات النبي وقدسيّته
وهناك من لا يرى التوسّل بدعاء النبي أو طلب الشفاعة منه حياً وميّتاً، عبادة له، لأنّ أقصاه، هو طلب الدعاء وأمره يدور بين كونه مفيداً أو غير مفيد، ولكن ربّما يدور في خلده انّ التوسّل بذاته وشخصيته، أو قدسيّته ومنزلته أمر ممنوع أو شرك خفي، ويتوهّم انّ هذا النوع من الخضوع عبادة للنبي.
ولكن التفريق ما بين التوسّلين، تفريق بلا فارق، لأنّ التوسّل بدعاء النبي في كلتا الحالتين إنّما هو لأجل كونه ذا مقام محمود ومنزلة كبيرة عند اللّه، بل هو الرصيد لأمره سبحانه بالمجيء إليه(صلى الله عليه وآله وسلم)وطلب الدعاء والاستغفار منه ثمّ استجابة دعائه، فلولا طهارة روحه، وقدسية نفسه، لكان هو وسائر الناس سواء، فالتوسّل بدعائه، في الحقيقة توسّل بقربه منه، ومنزلته لديه،(وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً).[١]
وقد أحسّ أولاد النبي يعقوب بذلك، فعندما تبيّن أنّهم عصاة التجأوا إلى والدهم فقالوا: (يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنّا خَاطِئينَ)، فاستجاب الأب لدعوتهم و(قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ).[٢]
[١] النساء:١١٣.
[٢] يوسف:٩٧ـ ٩٨.