رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٢
الإسلامية في القرن الرابع»، وقد خصّص الفصل الخامس من كتابه للشيعة، ولم يكن عنده ـ حسب اعترافه ـ إلاّ مخطوط علل الشرائع للصدوق (٣٠٦ـ ٣٨١هـ) وقد عثر عليه في مكتبة برلين، ولم يذكر في هذا الفصل شيئاً مهماً عن الشيعة سوى الصراعات والفتن التي دارت في هذا القرن وما قبله بين السنّة والشيعة في بغداد وغيرها، وقد جمع تلك الصفحات بجدّ وحماس، وكأنّه يريد أن يلخّص الشيعة في إثارة الفتنة والفساد، متناسياً دورهم الكبير في الدين و الأدب، ومشاركتهم سائر المسلمين في بناء الحضارة الإسلامية، وإن أشار في ثنايا كتابه إلى بعض الشخصيات اللامعة منهم كنصير الدين الطوسي، وليته اكتفى في رسم صورة تلك الطائفة بما ذكره، ولم يتّهمهم بكونهم تبعاً للمعتزلة في الأُصول والآراء، و إنّه لم يكن لهم في القرن الرابع مذهب كلامي مدوّن، وإليك نصَّ كلامه:
إنّ الشيعة هم ورثة المعتزلة، ولابدّ أن تكون قلّة اعتداد المعتزلة بالأخبار المأثورة ممّا لاءَم أغراض الشيعة، ولم يكن للشيعة في القرن الرابع (٣٠٠ـ ٤٠٠هـ) مذهب كلامي خاصّ بهم، فتجد مثلاً أن عضدالدولة (المتوفّى ٣٧٢هـ) وهو من الأُمراء المتشيّعين يعمل على حسب مذهب المعتزلة، ولم يكن هناك مذهب شيعي للفاطميين، ويصرح المقدسيّ بأنّهم يوافقون المعتزلة في أكثر الأُصول، وعلى العكس من هذا نجد الشيعة الزيدية يرتقون بسند مذهب المعتزلة حتى ينتهي إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، ويقولون: إنّ واصلاً أخذ عن محمد بن علي بن أبي طالب، وأنّ محمّداً أخذ عن أبيه، والزيدية يوافقون المعتزلة في أُصولهم إلاّ في مسألة الإمامة، ويدلّ على العلاقة الوثيقة بين المعتزلة والشيعة أنّ الخليفة القادر جمع بينهما حينما نهى في عام (٤٠٨هـ) عن الكلام والمناظرة في الاعتزال والرفض (مذهب الشيعة) والمقالات المخالفة للإسلام.