رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٩٦
الشريف الرضي. حتّى أنّ الشريف الرضي قد ذكر مصادر بعض خطبه ورسائله وكلماته، وترك ذكر مصادر الكثير وما ذلك إلاّ لكون الشريف الرضي كان على ثقة بصحة سائر ما ذكره فلم يرَ حاجة لذكر المصادر. وإنّما ذكر بعض المصادر فيما لم يكن على ثقة بصدوره. وأمامكم كلام الكاتب الكبير الرحالة المسعودي (المتوفّى عام ٣٤٥هـ) قبل أن يولد الرضي مؤلف «مروج الذهب» يقول: والّذي حفظ الناس عن الإمام من خطبه في سائر مقاماتهم هو أربعمائة ونيف وثمانون خطبة يوردها على البديهة تداول الناس ذلك عنه قولاً وعملاً.[١]
وقد أشبعنا الكلام في ذلك في الحوار المذكور. والمظنون أنّه لم تتح الفرصة لكم لمطالعة الحوار الأوّل وعاقتكم عن ذلك كثرة المشاغل، وقد أشرتم إلى ذلك في رسالتكم حيث قلتم: «إنّي أكتب هذه الرسالة على عجل واستسمحكم لكثرة مشاغلي».
فلنرجع إلى ما ذكرتم من وسائل التشكيك: أعني: ظهور الصنعة الأدبية:
وهذا هو أحد الإشكالات الأربعة التي جمعها المحقّق محمد محيي الدين المصري الّذي كتب مقدمة لشرح نهج البلاغة لمحمد عبده (المطبوع في مصر) وقال: الثاني: أنّ فيه من السجع والنميق اللفظي وآثار الصنعة ما لم يعهده عصر علي، ولا عرفه، وإنّما ذلك شيء طرأ على العربية بعد العصر الجاهلي وصدر الإسلام، وافتتن به أدباء العصر العباسي و الشريف الرضي جاء من بعد ذلك على ما ألفوه فصنف الكتاب على نهجهم وطريقتهم.
وقد أجاب هو عن هذا الإشكال في ذات المقدمة قائلاً: وأمّا عن السبب الثاني فليس ما في الكتاب كله سجعاً، وما فيه من السجع فهو ممّا لم تدع إليه
[١] مروج الذهب:٢/٤٥.