رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٢٢
عظائم المحرّمات، ولا تعمّها أدلة التقية ولا الاضطرار ولا الإكراه.
وتدلّ على ذلك معتبرة مسعدة بن صدقة وفيها: «فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية ممّا لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز». [١]
ومن هذا الباب ما إذا كان المتقي ممن له شأن وأهمية في نظر الخلق، بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرّمات تقية أو تركه لبعض الواجبات كذلك مما يعد موهناً للمذهب وهاتكاً لحرمه، كما لو أُكره على شرب المسكر والزنا مثلاً، فإنّ جواز التقية في مثله متمسّكاً بحكومة دليل الرفع[٢] وأدلّة التقية مشكل بل ممنوع، وأولى من ذلك كلّه في عدم جواز التقية، ما لو كان أصل من أُصول الإسلام أو المذهب أو ضروري من ضروريات الدين في معرض الزوال والهدم والتغيير، كما لو أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الإرث والطلاق والصلاة والحج وغيرها من أُصول الأحكام فضلاً عن أُصول الدين أو المذهب، فإنّ التقية في مثلها غير جائزة، ضرورة أنّ تشريعها لبقاء المذهب وحفظ الا ُصول وجمع شتات المسلمين لإقامة الدين وأُصوله، فإذا بلغ الأمر إلى هدمها فلا تجوز التقية، وهو مع وضوحه يظهر من الموثقة المتقدمة.[٣]
وعلى ضوء ما تقدّم، نخرج بالنتائج التالية:
١. إنّ التقية أصل قرآني مدعم بالسنّة النبوية، وقد عمل بها في عصر الرسالة من ابتلي من الصحابة، لصيانة نفسه، فلم يعارضه الرسول، بل أيّده بالنص القرآني كما في قضية عمّـار بن ياسر، حيث أمره (صلى الله عليه وآله وسلم)بالعودة إذا عادوا.
٢. انّ التقيّة ليست بمعنى تشكيل جماعات سرية لغاية التخريب والهدم، وهذا لا يمتّ إلى التقية بصلة.
٣.اتّفق المفسّرون عند التعرّض لتفسير الآيات الواردة في التقية على ما ذهبت إليه الشيعة من إباحتها للتقية.
٤. تنقسم التقية حسب انقسام الأحكام إلى أقسام خمسة، فبينما هي واجبة في موضع، تجدْها محرّمة في موضع آخر.
٥. إنّ مجال التقية لا يتجاوز القضايا الشخصية، وهي فيما إذا كان الخوف قائماً، وأمّا إذا ارتفع الخوف والضغط، فلا مجال للتقية.
وفي ختام هذا البحث نقول:
نفترض أنّ التقية جريمة يرتكبها المتقي لصيانة دمه وعرضه وماله، ولكنّها في الحقيقة ترجع إلى السبب الذي يفرض التقيّة على الشيعي المسلم ويدفعه إلى أن
[١] الوسائل:١٠، الباب٢٥ من أبواب الأمر والنهي، الحديث٨.
[٢] الوسائل:١٠، الباب٥٦ من أبواب جهاد النفس، الحديث١.
[٣] رسالة في التقية مطبوعة ضمن الرسائل العشر:١٤، باب حول موارد استثنيت من الأدلّة.