رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦١٣
فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك، وقلبه مطمئن بالإيمان، لا يكون كافراً بل يُعذر كما فعل عمّـار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان، وفيه نزلت الآية:
(مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان).[١]
هذه الجمل الوافية والعبارات المستفيضة لا تدع لقائل مقالاً إلاّ أن يحكم بشرعية التقيّة بالمعنى الذي عرفته، بل قد لا يجد أحد مفسّـراً أو فقيهاً وقف على مفهومها وغايتها، وهو يتردد في الحكم بجوازها، كما أنّك ـ أخي القارئ ـ لا تجد إنساناً واعياً لا يستعملها في ظروف عصيبة، ما لم تترتّب عليها مفسدة عظيمة، كما سيوافيك بيانها عند البحث عن حدودها.
وإنّما المعارض لجوازها أو المغالط في مشروعيتها، فإنّما يفسّـرها بالتقية الرائجة بين أصحاب التنظيمات السرية والمذاهب الهدّامة كالباطنية وأمثالهم، إلاّ أنّ المسلمين جميعاً بريئون من هذه التقية الهدّامة لكل فضيلة رابية.
الآية الثالثة:
قوله سبحانه: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّـيَ اللّهُ وَقَدْ جَ آءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقَاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يهدِي مَنْ هُوَ مُسْـرِفٌ كَذَّابٌ).[٢]
وكانت عاقبة أمره أن:(فَوَقَاهُ اللّهُ سِيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِ آلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ
[١] تفسير المراغي: ٣/١٣٦.
[٢] غافر: ٢٨.