رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٦٥
الحكم، فهل يمكن ادّعاء القطع بذلك، وقد قال سبحانه:(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً)؟![١]
إنّ الإنسان لم يزل في عالم الحسّ تنكشف له أخطاؤه، فإذا كان هذا حال عالم المادة الملموسة، فكيف بملاكات الأحكام ومناطاتها المستورة عن العقل إلاّ في موارد جزئية كالإسكار في الخمر، أو إيقاع العداء والبغضاء في الميسر، أو إيراث المرض في النهي عن النجاسات؟ وأمّا ما يرجع إلى العبادات والمعاملات خصوصاً فيما يرجع إلى أبواب الحدود والديات فالعقل قاصر عن إدراك مناطاتها الحقيقية وإن كان يظن شيئاً.
قال ابن حزم: وإن كانت العلّة غير منصوص عليها، فمن أيّ طريق تُعرف ولم يوجد من الشارع نصّ يبيّن طريق تعرّفها؟ وتركُ هذا من غير دليل يعرّف العلّة، ينتهي إلى أحد أمرين: إمّا أنّ القياس ليس أصلاً معتبراً، وإمّا أنّه أصل عند اللّه معتبر ولكن أصل لا بيان له وذلك يؤدي إلى التلبيس، وتعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً، فلم يبق إلاّ نفي القياس.
ثانياً: لو افترضنا أنّ القائس أصاب في أصل التعليل، ولكن من أين يُعلم أنّها تمام العلّة، ولعلّها جزء العلّة وهناك جزء آخر منضم إليه في الواقع ولم يصل القائس إليه؟
ثالثاً: احتمال أن يكون القائس قد أضاف شيئاً أجنبياً إلى العلّة الحقيقية لم يكن له دخل في المقيس عليه.
رابعاً: احتمال أن يكون في الأصل خصوصية في ثبوت الحكم وقد غفل عنها القائس.
[١] الإسراء:٨٥.