رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٥٢
الملائكة لا لوحي، وإنّما بما يطلق عليه اسم حديث، وتلك فضيلة عظيمة.[١]
وحصيلة الكلام: انّه لا وازع من أن يخصّ سبحانه بعض عباده بعلوم خاصّة يرجع نفعها إلى العامّة من دون أن يكونوا أنبياء، أو معدودين من المرسلين، واللّه سبحانه يصف مصاحب موسى بقوله: (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً) ولم يكن المصاحب نبيّاً، بل كان وليّاً من أولياء اللّه سبحانه وتعالى بلغ من العلم والمعرفة مكانةً، دعت موسى ـ و هو نبيّ مبعوث بشريعة ـ إلى القول : (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً).[٢]
ويصف سبحانه وتعالى جليس سليمان ـ آصف بن برخيا ـ بقوله: (قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبّي).[٣]
وهذا الجليس لم يكن نبيّاً، ولكن كان عنده علم من الكتاب، وهو لم يحصّله من الطرق العاديّة التي يتدرّج عليها الصبيان والشبان في المدارس والجامعات، بل كان علماً إلهياً أُفيض عليه لصفاء قلبه وروحه، ولأجل ذلك ينسب علمه إلى فضل ربّه ويقول:(هذا مِنْ فَضْلِ رَبّي).[٤]
والإمام علي والأئمّة من بعده، الّذين أُنيطت بهم الهداية في حديث
[١] الرياض النضرة:١/١٩٩.
[٢] الكهف:٦٦.
[٣] النمل:٤٠.
[٤] الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف:٢/٣٦٥ـ ٣٦٦.