رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٧٥
أمّا الأوّل: من أنّ الرجل مجهول، فهذا لا يضرّ، لأنّ أساس الاستدلال هو دعاء النبي بمرأى ومسمع من مالك الداري الصحابي الذي كان خازن عمر.
وأمّا الثاني: من أنّ عمل الصحابة كان على خلافه، وأنّه لم يأت إلى قبره أحد يسأل السقيا، فموهون جداً، لأنّ من قال بمرجعية الصحابة، فإنّما قال بحجّية أقوالهم وأفعالهم على الجواز والإباحة، لا بحجّية تروكهم على الحرمة والشرك، فعدم قيام الصحابة بهذا الفعل لا يعدّ دليلاً على التحريم ولا على كونه شركاً وخروجاً عن الدين.
وأمّا الثالث: من أنّ عمر توسّل بالعباس عم النبي، لا به (صلى الله عليه وآله وسلم)فموهون أيضاً، لأنّ التوسّل بعم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا يكون دليلاً على بطلان التوسّل بالرسول.
على أنّ العارف إذا أمعن النظر في قول عمر: «إنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا»، يقف على أنّ التوسل كان في الحقيقة بالرسول، وأنّ التوسّل في الظاهر بالعباس كان لأجل صلته بالرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
تلك ـ و اللّه شقشقة هدرت ثمّ قرّت ـ فإذا كان هذا هو الفقه والفتوى، وهؤلاء هم الفقهاء المعنيون بحفظ الدين وصيانة أعراض المسلمين، فعلى الإسلام السلام وعلى الدنيا العفا.
وكأنّي بشاعر المعرّة شهد ما يشابه هذه الظروف القاسية فجادت قريحته بالأبيات التالية:
إذا وصف الطائيّ بالبخل مادرٌ * وعيّر قُسّاً بالفهاهة باقلٌ
وقال السُّهى للشمس أنت خفية * وقال الدجى للصُبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماءَ ترفّعاً * وفاخرت الشهبَ، الحصى والجنادلُ
فياموت زُر انّ الحياة ذميمة * ويا نفس جدّي إن دهرك هازلُ