رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦٤
الخاصّ و العام حتّى حسده الأكابر وخاصموه، فكان يخصمهم ويتسلّط عليهم. فبدا له خصوم استظهروا بالسلطان عليه وعلى أصحابه. وصارت الأشعريّة مقصودين بالإهانة والمنع عن الوعظ والتدريس، وعُزِلوا من خطابة المجامع. ونبغ من الحنفيّة طائفة أشربوا في قلوبهم الاعتزال والتشيّع، فخيّلوا إلى أُولي الأمر الإزراء بمذهب الشافعي عموماً، وبالأشعريّة خصوصاً.
وهذه هي الفتنة الّتي طار شررها، وطال ضررها، وعظم خطبها، وقام في سبّ أهل السنّة خطيبها، فإنّ هذا الأمر أدّى إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجُمَع، وتوظيف سبّهم على المنابر، وصار لأبي الحسن الأشعري بها أُسوة بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)واستعلى أُولئك في المجامع.
فقام أبو سهل في نصر السنّة قياماً مؤزّراً، وتردّد إلى المعسكر في ذلك ولم يفد، وجاء الأمر من قبل السلطان (طغرل بك) بالقبض على الرئيس الفراتي، والأُستاذ أبي القاسم القشيري، وإمام الحرمين، وأبي سهل ابن الموفّق، ونفيهم ومنعهم عن المحافل.
وكان أبو سهل غائباً في بعض النواحي، فلمّا قُرِئ الكتاب بنفيهم أغرى بهم الغاغة والأوباش، فأخذوا بالأُستاذ أبي القاسم القشيري والفراتي يجرّونهما ويستخفّون بهما، وحبسا بالقَهَنْدَر[١] وبقيا في السجن متفرّقين أكثر من شهر، وأمّا إمام الحرمين فإنّه كان أحسّ بالأمر فاختفى وخرج على طريق كرمان إلى الحجاز...إلى آخر ما ذكره.[٢]
[١] القهندر في الأصل اسم الحصن أو القلعة في وسط المدينة، وهو في مواضع كثيرة، بسمرقند وبخارى وبلخ ومرو ونيسابور. معجم البلدان:٤/٢١٠.
[٢] طبقات الشافعية:٤/٢٠٩ـ ٢١٠، ط دار إحياء الكتب العربيّة.