رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٢
العقائد المختلفة، ومن الواضح انّ التعايش على صعيد واحد، يستلزم احتكاكات ثقافية، وتبادل أفكار و معلومات، الأمر الذي يُفضي إلى اختلاط الآراء الحقة بالدعاوي الباطلة التي تناقض العقيدة الإسلامية، ففي مجال تمحيص الحق،واستخلاصه من دنيا الباطل، لا محيص عن علماء واعِين يفرزون الأفكار الإسلامية الصحيحة، عن غيرها من الأفكار السقيمة، والأُصول الصحيحة عن الأُصول الباطلة بطرق علمية.
٢. لم يزل أصحاب الديانات الباطلة ـ بعد أن قبض النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ يسعون إلى طرح شبهات و إثارة تشكيكات فيما نزل به القرآن الكريم ودعا إليه النبي الأكرم، بُغية إزالة الإيمان عن قلوب المؤمنين، كما هو واضح لمن قرأ تاريخ الإسلام، ومكافحة علمائه مع الملحدين في الأدوار المختلفة، خصوصاً في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي حيث تمتعت اليهود والنصارى والأسرى بحرّية تامة في بيان العقائد ونشر الآراء و المعتقدات وبثّ الشكوك والشبهات بأمان وحرية كاملة.
وهذا هو مفضل بن عمر الجعفي الكوفي الذي عاصر الأئمّة الأربعة من الباقر إلى الرضا(عليهم السلام) يشرح لنا مدى الحرية التي نالها أصحاب المدارس الإلحادية في ذلك العصر ويقول:
كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة بين القبر والمنبر وأنا مفكِّر فيما خصّ اللّه تعالى به سيّدنا محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) ، من الشرف والفضائل، وما منحه وأعطاه وشرّفه وحباه، ممّا لا يعرفه الجمهور من الأُمّة وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته، وخطير مرتبته، فانّي لكذلك إذ أقبل «ابن أبي العوجاء» فجلس بحيث أسمع كلامه، فلمّا استقرّ به المجلس إذا رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه،