رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦٣
كافية في إعادة الإنسان، إذ ليس هنا شيء متوسط بين المبتدأ والمعاد.
والإلهيون على الثاني، وأنّ الموت خروج الروح من البدن العنصري وتعلّقه ببدن آخر يناسبه، وهو أمر يدعمه كتاب اللّه الأكبر، ويدلّ عليه بأوضح دلالة، ويفنّد دليل المشركين القائلين: (أإِذا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْق جَدِيد) بقوله:(قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجعُون).[١]
ومعنى الآية: هو أنّ الموت ليس ضلالاً في الأرض وأنّ الشخصية الإنسانية ليست هي الضالّة الضائعة في ثنايا التراب، إنّما الضال في الأرض هو أجزاء البدن العنصري المادي، فهذه الأجزاء هي التي تتبعثر في الأجواء والأراضي، ولكن لا يشكّل البدنُ حقيقةَ الشخصية الإنسانية، ولا يكون مقوّماً لها، وإنّما واقعيتها هي نفس الإنسان، وروحه، وهي لا ينتابها ضلالٌ، ولا يطرأ عليها تبعثر، بل يأخذها اللّه سبحانه ويحتفظ بها كما قال:(قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجعُون).
ويتجلّى معنى الآية بوضوح إذا عرفنا أنّ التوفّي في الآية يعني الأخذ في مثل قوله سبحانه: (اللّهُ يَتَوفّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الّتي قَضى عَلَيْهَا الْمَوتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرى إِلى أَجَل مُسَمّىً إِنَّ في ذَلِكَ لآيات لِقَوم يَتَفَكَّرُونَ).[٢]
والمعنى : هو أنّ اللّه يقبض الأنفس ويأخذها في مرحلتين: حين الموت، وحين النوم، فما قضى عليها بالموت أمسكها ولم يردّها إلى الجسد، وما لم يقض عليها بالموت أرسلها إلى أجل مسمّى.
[١] السجدة:١٠ـ ١١.
[٢] الزمر:٤٢.