رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦٠
صلواتنا:(وَإِيّاكَ نَسْتَعينُ) ، ومع ذلك كلّه، فإنّ حياة البشر ـ فضلاً عن المسلمين ـ لا تستغني عن الاستعانة بالغير. فكيف الجمع بين حصرها في اللّه، وكون التعاون أساس الحياة؟
وبعبارة أُخرى إنّ الاستعانة بالغير تشكّل الحجر الأساس للحضارة الإنسانية حيث إنّ حياة البشر في هذا الكوكب قائمة على أساس التعاون، وإنّ العقلاء يتعاونون في أُمورهم الحيوية.
وهذا هو العبد الصالح ذو القرنين استعان في بناء السد وقال: (فَأَعينُوني بِقُوَّة أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً)[١]، ومع ذلك كيف تحصر الاستعانة باللّه سبحانه؟!
والجواب: انّ المُعين حقيقة وفي عامّة الصور، هو اللّه سبحانه، فلو قام شخص بإعانة غيره، فانّما يُعين بقدرة مكتسبة وبإرادة من اللّه سبحانه.
وعلى ضوء هذا فالاستعانة بمن يعين بذاته، وبقدرته الّتي هي عين ذاته، مختصة باللّه سبحانه; وأمّا الاستعانة بمن يعين بقدرة مكتسبة من اللّه سبحانه، لا تؤثر إلاّ بإذنه فهو يختص بالمخلوق. وكم في القرآن الكريم نظائر لهذا الأمر، مثلاً انّه سبحانه ينسب التوفّي لنفسه ويقول: (اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا).[٢]
وفي ذات الوقت ينسبه إلى الملائكة ويقول:(حَتّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ).[٣]
فالتوفّي المنسوب إلى اللّه غير المنسوب إلى رسله، فالتوفّي الصادر عن شخص بقدرة ذاتية غير محددة، هو قائم باللّه سبحانه لا يعمّ غيره; وأمّا التوفّي
[١] الكهف:٩٥.
[٢] الزمر:٤٢.
[٣] الأنعام:٦١.