رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٠
ج. طلب الشفاعة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)
وقد اتّضحت بما ذكرنا حقيقة طلب الشفاعة من النبيّ بعد رحيله، إذ هو من أقسام طلب الدعاء منه، فلو جاز طلب الدعاء منه لجاز طلب الشفاعة، مضافاً إلى أنّ سيرة المسلمين تكشف عن جواز طلب الشفاعة في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وبعده.
أخرج الترمذي في سننه عن أنس قال: سألت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل، قال: قلت: يا رسول اللّه فأين أطلبك؟ فقال: «اطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط».[١]
ونقل ابن هشام في سيرته: انّه لما توفّـي رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)كشف أبو بكر عن وجهه وقبله، وقال: بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب اللّه عليك فقد ذقتها، ثمّ لن تصيبك بعدها موتة أبداً.[٢]
وقال الرضي في «نهج البلاغة» لمّا فرغ أمير المؤمنين(عليه السلام) من تغسيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال كلاماً وفي آخره:«بأبي أنت وأُمّي طبت حياً وطبت ميتاً، اذكرنا عند ربّك».[٣]
إنّ طالب الشفاعة من الشفعاء الصالحين ـ الذين أذن اللّه لهم بالشفاعة ـ إنّما يعتبرهم عباداً للّه مقربين لديه، وجهاء فيطلب منهم الدعاء، وليس طلب الدعاء من الميت عبادة له، وإلاّ لزم كون طلبه من الحيّ عبادة لوحدة واقعية العمل.
[١] سنن الترمذي:٤/٦٢١، كتاب صفة القيامة.
[٢] السيرة النبوية:٢/٦٥٦، ط عام ١٣٧٥هـ. وهو يدلّ على وجود الصلة بين الأحياء والأموات، وقد جئنا به لتلك الغاية.
[٣] نهج البلاغة، رقم الخطبة٢٣.