رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٥
٤. بناء المسجد على القبر والصلاة فيه
إنّ بناء المساجد على القبور أو عندها والصلاة فيها مسألة فقهية فرعية لا تمتُّ إلى العقائد بصلة.
فالمرجع في هذه المسائل هم أئمّة المذاهب وفقهاء الدين ـ أعني: الذين يستنبطون أحكامها من الكتاب والسنّة ـ و ليس لنا تكفير أو تفسيق واحد من الطرفين إذا قال بالجواز أو بعدمه، ونحن بدورنا نعرض المسألة المذكورة على الكتاب والسنّة لنستنبط حكمها من أوثق المصادر الفقهية.
الذكر الحكيم يشرح لنا كيفية عثور الناس على قبور أصحاب الكهف وانّهم ـ بعد العثور ـ اختلفوا في كيفية تكريمهم وإحياء ذكراهم والتبرّك بهم على قولين: فمن قائل: يُبنى على قبورهم بنيان ليُخلّد ذكرهم بين الناس.
إلى قائل آخر: يبنى على قبورهم مسجد يصلّـى فيه.
وقد حكى سبحانه كلا الاقتراحين من دون تنديد بواحد منهما.
قال سبحانه:(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيعْلَمُوا أَنّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَانّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).[١]
قال المفسّّرون: إنّ الاقتراح الأوّل كان لغير المسلمين ويؤيده قولهم في حقّ أصحاب الكهف:(رَبّهُم أَعْلَمُ بِهِمْ) حيث حوّلوا أمرهم إلى ربّهم.
وأمّا الاقتراح الثاني فنفس المضمون(اتّخاذ قبورهم مسجداً) شاهد على أنّ المقترحين كانوا من المؤمنين، وما اقترحوا ذلك إلاّ للتبرّك بالمكان الذي دفنت فيه
[١] الكهف:٢١.