رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩١
قال ابن تيمية: إنّ للّه يدين مختصتين ذاتيتين ـ كما يليق بجلاله ـ وإنّه سبحانه خلق آدم بيده... .[١]
فابن تيمية يحمل اليدين على المعنى الإفرادي، جموداً على الظهور البدائي دون أن يتدبّر في القرائن الحافّة بالآية، التي تعطي للآية مفاداً آخر، وهو نتيجة الظهور التصديقي .
وممّا تقدّم من أنّ الميزان هو الظهور المستقرّ لا المتزلزل، يجب الإمعان في موقف الآية وهدفها، وليس لنا صرف الآية عن ظهورها بتوهّم أنّه يخالف حكم العقل كما مرّ عليك، ولو كان هناك تعارض فهو بدائي مرتفع بأحد الأمرين: إمّا لأجل تطرق الخطأ إلى فهم المفسّر في تبيين مفاد الآية، أو طروء القصور والتقصير على العقل في مبادئ البرهان.
وعلى ضوء ذلك لا محيص من القول بأنّ اليدين في الآية بمعنى الجارحة ، لكن اللفظ كناية عن لازمه وهو الاهتمام بخلقة آدم، حتى يتسنّى بذلك ذم إبليس على ترك السجود لآدم فقوله سبحانه:(مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)كناية عن اهتمامه سبحانه بهذا المخلوق، وانّه لم يكن مخلوقاً لغيري حتّى يصحّ لك يا شيطان تجنّب السجود له، بحجّة أنّه لا صلة له بي، مع أنّه موجود خلقتهُ بنفسي، ونفختُ فيه من روحي، فهو مصنوعي و مخلوقي الّذي قمت بخلقه، فمع ذلك تمرّدت عن السجود له.
فأُطلقت الخلقة باليد و كنّي بها عن قيامه سبحانه بخلقه، وعنايته بإيجاده، وتعليمه إيّاه أسماءه، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد،
[١] مجموعة الفتاوى:٦/٣٦٢.