رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٠
وأمّا إذا فسّرنا الاستواء بالجلوس ، والعرش بالكرسي الّذي يتربّع عليه الملوك، يكون المعنى غير مرتبط بما ورد في الآية من المفاهيم، كما تقدّم، إذ أيّ مناسبة بين التربّع على الكرسي المادي والقيام بهذه التدابير الرفيعة؟ فإنّ المصحِّح للتدبير هو السيطرة والهيمنة على الملك وهو لا يحتاج إلى التربّع والجلوس على الكرسي، بل يتوقّف على سعة ملكه و نفوذ سلطته.
والمعطّلة (الذين عطّلوا عقولهم عن التدبّر والتفكير)، يحسبون أنّ ما ذكرناه تأويل، لأنّه مخالف للظهور الإفرادي، حيث لفظ «العرش» بإفراده بمعنى «السرير» لا السلطة والسيطرة على الملك، لكنّك عرفت أنّ الميزان في تفسير الآية هو الظهور «الجُمْلي» والتصديقي بمعنى التدبّر في مجموع الجملة وما يدل عليه ـ بعد رعاية السياق وغيره من القرائن ـ وعليه، فليس ما ذكرناه تأويلاً، بل إرجاع الآية إلى واقعها، وإخراج لها من الظهور المتزلزل (الإفرادي) إلى الظهور المستقرّ (التصديقي) كما هو المتعارف في تفسير سائر الآيات وكلمات البلغاء والفصحاء بل عامة العقلاء. وليس التأويل المقبول إلا إرجاع الآية إلى معناها، كما أنّ تأويل الرؤيا في الذكر الحكيم، هو إرجاعها إلى واقعها وجذورها.
٢. خلق سبحانه آدم بيديه
قد تعرّفت على مفاد قوله سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) وأنّه لا يدلّ على ما يرومه ابن تيمية وأتباع مسلكه من أنّه سبحانه يجلس على سريره الخاص، وأنّه ينظر إلى العالم من فوق عرشه .
بقي الكلام في تفسير قوله: (يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ).[١]
[١] ص:٧٥.