رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩
والمراد من الشكر في ذيل الآية صرف النعمة في مواضعها، فشكر السمع والبصر هو إدراك المسموعات والمبصرات بهما، وشكر الفؤاد هو درك المعقولات وغير المشهودات به، فالآية تحرّض على استعمال الفؤاد والقلب والعقل في ما هو خارج عن إطار الحس وغير واقع في متناول أدواته.
ولأجل ذلك يتّخذ القرآن لنفسه في هذه المجالات موقف المعلِّم فيعلِّم المجتمع البشري كيفية إقامة البرهنة العقلية على توحيده سبحانه في أمر الخلقة والتدبّر.
باللّه عليك أيّها القارئ اقرأ الآيات التالية، ثمّ احكم بنفسك، هل يمكن لإنسان أن يقف على مغزاها بلا تفكير وتعقّل مبني على أُصول متعارفة أو موضوعة؟ فلو أعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك (مشاهد) الربوبية فماذا تهدف هذه الآيات التي أمرنا بالتدبّر فيها؟!
(نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلولا تُصدّقُونَ * أَفرَأيتم ماتُمْنُون * ءَأَنْتُمْ تَخْلقونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقينَ * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعَلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشأةَ الأُولى فَلولا تَذَكَّرُونَ * أَفرأَيْتُمْ مَاتَحْرُثُونَ * ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * ءَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الّتي تُورُونَ * ءَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئونَ).[١]
رغم انّ علم الكلام الذي هو من أفضل مظاهر التفكير، كان ضرورة زمنية دعت المخلصين الغيارى من علماء الإسلام إلى تدوينه ونشره حتّى يقوم الجيل
[١] الواقعة:٥٧ـ٧٢.