رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٧
كما انتشر التفويض في عصر الإمام الصادق(عليه السلام) بمعنى إيكال الأُمور إلى البشر واستغنائهم في أفعالهم عن اللّه سبحانه، ويظهر من بعض الروايات أنّ فكرة التفويض استولت على بعض المفكّرين في عصر عبد الملك بن مروان على نحو أعجز العلماء في الشام، فكتب عبد الملك رسالة إلى الإمام الباقر(عليه السلام) يدعوه لنزول أرض الشام، ومناظرة ذلك الرجل القدري (التفويضي)، فلمّا جاءت الرسالة كتب إليه الإمام بقوله:إنّي شيخ كبير لا أقوى على الخروج، وهذا جعفر ابني يقوم مقامي فوجّهه إليه، فلمّـا قدم على الأمويّ أزراه لصغره، وكره أن يجمع بينه و بين القدريّ مخافة أن يغلبه، وتسامع الناس بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدريّة، فلمّا كان من الغد اجتمع الناس بخصومتهما، فقال الأمويّ لأبي عبد اللّه(عليه السلام) إنّه قد أعيانا أمر هذا القدريّ، وإنّما كتبت إليه[١] لأجمع بينه و بينه، فإنّه لم يدع عندنا أحداً إلاّ خصمه، فقال: إنّ اللّه يكفيناه.
قال: فلمّا اجتمعوا قال القدريّ لأبي عبد اللّه(عليه السلام): سل عمّا شئت! فقال له: «اقرأ سورة الحمد»، قال: فقرأها، وقال الأمويّ وإنّا معه: ما في سورة الحمد؟!، غُلْبنا، إنّا للّه وإنّا إليه راجعون!! قال: فجعل القدريّ يقرأ سورة الحمد حتّى بلغ قول اللّه تبارك وتعالى: (إِيّاك نعبد وإيّاك نستعين) فقال له جعفر: «قف; مَن تستعين؟ وما حاجتك إلى المؤونة إن الأمر إليك؟» فبهت الّذي كفر، واللّه لا يهدي القوم الظالمين.[٢]
كان الطابَع العام على السلفية وأهل الحديث، هو الجبر ونفي القدر بمعنى الاختيار إلى أن جاء الإمام الأشعري فأحسّ بخطورة الموقف وأنّ القول بالجبر
[١] الضمير يعود إلى أبي جعفر الباقر(عليه السلام).
[٢] بحار الأنوار:٥/٥٥، رقم الحديث٩٨ نقلاً عن تفسير العياشي.