رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٣
ثمّ إنّ الطريقة التي سار عليها ابن بابويه القمّي أكبر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري في كتابه المسمّى بكتاب «العلل» تذكّرنا بطريقة علماء المعتزلة الذين يبحثون عن علل كلّ شيء.[١]
إنّ في كلام هذا الباحث مناقشات كثيرة قد أشرنا إليها في مقال تحت عنوان « الشيعة وعلم الكلام عبر القرون الأربعة»، نشر بمناسبة الذكرى الألفية لوفاة الشيخ المفيد برقم ٣٢ لكن نشير في المقام إلى الغرض الأسنى من هذا البحث.
من قرأ تاريخ التشيع والاعتزال يقف على أنّ الطائفتين تتصارعان صراع الأقران في المسائل التي اختلفتا فيها، فكيف يمكن أن تكون الشيعة عالة على المعتزلة في عقائدها؟ فأين مبادئ الشيعة من مبادئ الاعتزال والطائفتان وإن كانتا تشتركان في التوحيد والعدل وبالتالي في نفي التجسيم والرؤية والجبر والقول بالتحسين والتقبيح العقليين، لكنّهما تفترقان في كثير من الأُصول، وكفاك في هذا المضمار ما ألّفه الشيخ المفيدباسم «أوائل المقالات في المذاهب والمختارات».
يقول في ديباجة كتابه: «فإنّي بتوفيق اللّه ومشيته مثبت في هذا الكتاب ما آثر إثباتَه من فرْق ما بين الشيعة والمعتزلة، وفصل ما بين العدلية من الشيعة ومن ذهب إلى العدل من المعتزلة، والفرق ما بينهم من بعد، و ما بين الإمامية فيما اتّفقوا عليه من خلافهم فيه من الأُصول، وذاكر في أصل ذلك ما اجتبيته أنا من المذاهب المتفرعة عن أُصول التوحيد و العدل و القول من اللطيف في الكلام وما كان وفاقاً منه لبني نوبخت رحمهم اللّه، وما هو خلاف لآرائهم في المقال وما يوافق
[١] الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري:١/١٠٦ـ ١٠٧.