رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٣
وقد أثبتنا في محاضراتنا حول نظرية المعرفة، أنّ هذه الفكرة تنتهي إلى السفسطة مائة بالمائة، والفرق بين ما تبنّاه «كانت » وما تبنّاه بعض الإغريقيين هو أنّ الفرقة الثانية كانوا يطرحون أنظارهم ببساطة وسذاجة ويدعون أنّه ليس لنا علم بالخارج، ولكن الغرب وعلى رأسهم «كانت» يعرض تلك النظرية بثوب علمي يغري الجاهل.
وإذا كانت مدركات الإنسان تأخذ لنفسها أشكال القوالب الذهنية، فمن أين نعلم أنّ هناك عالماً وراء ذهننا ومدركاتنا ونحن ندركه ونعرف آثاره؟ لأنّ هذه الفكرة (وجود العالم الخارج عن الذهن) لا يمكن أن تعبّر عن الواقع مائة بالمائة لأنّها انصبغت بصبغة الذهن وأخذت شكل القوالب الذهنية.
٣. أنّ المطلوب في الدين هو الإيمان الجازم والتصديق القاطع، وقد بعث الأنبياء لتلك الغاية السامية، يقول سبحانه: (آمَنَ الرَّسُول بِما أُنْزِلَ إِليه مِنْ رَبّه وَالمُؤْمِنُون كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائكَتهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحد مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفرانَكَ رَبّنا وَإِلَيْكَ الْمَصير). [١]
فلو كانت المفاهيم الدينية مفاهيم غير قطعية وإدراكات متزلزلة تتبدّل كل يوم إلى معنى يغاير الأوّل، فلا تحصل الغاية السامية من إنزال الكتب وبعث الرسل، لأنّهم بعثوا لإيجاد الإيمان القاطع باللّه سبحانه وكتبه ورسله.
نعم إن هذه المسائل وأشباهها التي اشتهرت باسم الكلام الجديد، وذكرنا في المقام نماذج منها، كانت تتبلور في الغرب وتهز أركان الكنائس وتُضعف قدرتهم، وقد قوبلت في الغرب بقيام رجال مخلصين، تصدّوا لهذه الشبه ونقدوها أفضل النقد، وقد ألفوا في ذلك مئات الكتب، ولا يزال ينتشر في كلّ شهر أو
[١] البقرة:٢٨٥.