رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٢
آمَنّا بهِ كُلٌّ مِنْ عِنْد رَبّنا وَما يَذَّكّرُ إِلاّ أُولُوا الأَلْباب).[١]
فالمحكمات من الآيات ما أُحكمت دلالتها، واتّضحت معالمها، وتبيّنت مقاصدها، أفهل يصحّ وصف هذه الآيات بعدم وجود أي رأي نهائي في تفسيرها وتبيينها؟!
إنّ النظرية تعني أنّ النصوص الدينية مجموعة رموز وألغاز يفسره كلّ إنسان، حسب ما أوتي من مواهب وحسب ما لذهنه من طابَع مع أنّه تبارك وتعالى يصف كتابه بأنّه أُنزل بلسان عربي مبين: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمين * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذرينَ * بِلِسان عَربىّ مُبِين).[٢]
إلى غير ذلك من الآيات الآمرة باستماع القرآن والإنصات إليه لفهم مقاصده السامية.
وثانياً: أنّ القول بعدم وجود رأي نهائي وقطعي في الشؤون الدينية ناجم عن القول بنسبية الإدراكات التي ورثها الغرب عن «إيمانوئيل كانت» الذي أعاد السفسطة اليونانية ـ التي تهدمت بجهود حكماء كبار كسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس ـ إلى الساحة العلمية في الغرب، قائلاً بأنّ ما يدركه الإنسان لا يحكي عن الواقع مائة بالمائة وإنّما يحكي عنه بنسبة خاصة، وذلك لأنّ القوى المدركة في الإنسان مقرونة بقوالب لها طابَعها الخاص ترد إليها المفاهيم والصور من الخارج لكن لا تبقى على سذاجتها، بل تنصبغ بصبغة الذهن وتنطبع بتلك الطوابع، وهذا نظير من نظر إلى غابة خضراء بمنظار أصفر فيراها بلون المنظار مع أنّها على خلافه.
[١] آل عمران:٧.
[٢] الشعراء:١٩٣ـ١٩٥.