رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٥
وأمرنا بالتوحيد المطلق.[١]
يلاحظ عليه أوّلاً: ما هو الدليل أنّ الشارع نهانا عن النظر في الأسباب، فإن أراد النظر فيها بمعنى التوقّف عند تلك الأسباب ، وإضفاء الأصالة عليها وانقطاعها عن مسبِّب الأسباب، فذلك كما ذكره كفر محض، ولكن المؤمن الموحّد لا ينظر إلى الأسباب بذلك المنظار.
وإن أراد النظر فيها بما فيها من نظام بديع حاك عن كونه مخلوقاً لموجود عالم قادر حكيم فالنظر فيها بهذا المنظار هو نفس التوحيد، فكيف نهانا الشارع عن النظر في الأسباب؟ هذا هو القرآن الكريم يشرح لنا نظام الكون بأدق الوجوه ويجعلها آية لتوحيد خالق العالم ومدبّره.
يقول سبحانه: (إِنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرض وَاختلاف اللَّيل وَالنّهار وَالفُلْكِ الّتي تَجري في البَحْر بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماء فَأَحيا بِهِ الأَرضَ بَعْدَ مَوتها وَبثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابّة وتصريفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ لآيات لِقَوم يَعْقِلُون).[٢]
إنّ قول اللّه ـ هذا ـ مضافاً إلى كونه مشيراً إلى برهان النظم يمكن أن يكون تلويحاً إلى عوامل استقرار الحياة على الأرض، ومذكراً للعقول بأنّه لا يمكن أن تجتمع كلّ العوامل ـ مع ما فيها من المحاسبات الدقيقة ـ عن طريق الصدفة العمياء دون أن يتدخل في ذلك تدبير «مدبر عاقل حكيم» ودون أن يكون قد جمعها على هذا النسق المناسب لظاهرة الحياة ـ «إله خالق عارف بالأُمور، محيط بالمحاسبات والسنن».
[١] مقدّمة ابن خلدون، الفصل العاشر في علم الكلام: ٤٢٤.
[٢] البقرة:١٦٤.