رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠١
بَدأكُمْ تَعُودُونَ)[١]، فنّبههم بهذه الآيات على أنّ من قدر أن يفعل فعلاً على غير مثال سابق فهو أقدر أن يفعل فعلاً محدثاً، فهو أهون عليه فيما بينكم وتعارفكم، وأمّا الباري جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه فليس خَلْقُ شيء بأهون عليه من الآخر، وقد قيل: إنّ الهاء في «عليه» إنّما هي كناية للخلق بقدرته، إنّ البعث والإعادة أهون على أحدكم وأخفّ عليه من ابتداء خلقه، لأنّ ابتداء خلقه إنّما يكون بالولادة والتربية وقطع السرة والقماط وخروج الأسنان، وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة، وإعادته إنّما تكون دفعة واحدة ليس فيها من ذلك شيء، فهي أهون عليه من ابتدائه، فهذا ما احتجّ به على الطائفة المقرة بالخلق.
وأمّا الطائفة التي أنكرت الخلق الأوّل والثاني، وقالت بقدم العالم فإنّما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا: وجدنا الحياة رطبة حارة، والموت بارداً يابساً، وهو من طبع التراب، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النخرة فيصير خلقاً سوياً، والضدّان لا يجتمعان، فأنكروا البعث من هذه الجهة.
ولعمري إنّ الضدّين لا يجتمعان في محلّ واحد، ولا في جهة واحدة، ولا في الموجود في المحل، ولكنّه يصحّ وجودهما في محلّين على سبيل المجاورة، فاحتجّ اللّه تعالى عليهم بأن قال: (الّذي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُون)[٢]، فردّهم اللّه عزّ وجلّ في ذلك إلى ما يعرفونه ويشاهدونه من خروج النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على برده ورطوبته، فجعل جواز النشأة الأُولى دليلاً على جواز النشأة الآخرة، لأنّها دليل على جواز مجاورة الحياة التراب والعظام النخرة، فجعلها خلقاً سوياً وقال: (كَما بَدَأْنا أَوّلَ خَلْق
[١] الأعراف:٢٩.
[٢] يس:٨٠.