بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٩٠ - هل يعتبر إذن الأبوين في أداء الحج تطوعاً إذا كان مستلزماً لأذيتهما؟
الصوم من العروة الوثقى، وهو قوله تعالى [١] : ((وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)) قائلاً: (إن تسبب الولد بتصرفاته في تأذي أحد أبويه شفقة عليه مما يتنافى مع المصاحبة بالمعروف، فمن يسافر ــ مثلاً ــ للحج أو لغيره ويترك والده في قلق واضطراب وخوف عليه طيلة مدة السفر لا يعدّ ممن يصاحبه بالمعروف، ولذلك فهو غير جائز في حقه بمقتضى إطلاق الآية الكريمة).
ولكن هذا الاستدلال يبتني على أن يكون مقتضى الجري العقلائي ــ المبني على الالتزام بالمعايير الأخلاقية ورعاية مقام الأبوين ــ هو التجنب عن التصرفات الراجعة إلى الولد نفسه إذا كان مستلزماً لتأذي أحد الأبوين شفقة وعطفاً عليه، ليصح القول بأن من المعروف في مصاحبة الأبوين ترك مثل هذه التصرفات، فإنه لا يعدّ الأمر معروفاً إلا مع جريان دأب الناس عليه، وأما إذا لم يبلغ هذا المستوى فهو غير مشمول للعنوان المذكور.
ويمكن القول بأن كون التجنب عن مثل تلك التصرفات قد بلغ المستوى المذكور ليس بذلك الوضوح، ولا سيما في بعض موارده.
وعلى ذلك فإلزام الولد برعاية عدم تأذي أحد أبويه شفقة عليه في ما يرجع إلى شؤونه الشخصية مما يشكل الالتزام به على إطلاقه، بل يمكن أن يقال: إنه ممنوع، ولا سيما مع اختلاف الآباء والأمهات فيما يقلقهم ويؤذيهم بالنسبة إلى أولادهم، فهناك من يحرص على ولده إلى درجة يكاد أن يجعل منه حبيس الدار شفقة عليه، وهناك من يتتبع كل صغيرة وكبيرة من أمور ولده ويسعى في رسم مستقبله بما يعتقد هو مصلحة له، ولو خالفه في شيء من ذلك تأذى حرصاً عليه، ومن الصعب جداً الالتزام بأن على الولد أن لا يخالف شيئاً مما يراه له أبواه إذا كانا يتأذيان بمخالفته شفقة وعطفاً عليه، فتدبر.
ثم إنه لو سلّم حرمة تصرف الولد المستتبع لتأذي أحد أبويه شفقة عليه فهل ترتفع الحرمة بقاعدتي (لا ضرر) و(لا حرج) فيما إذا كان ترك ذلك التصرف ضررياً على الولد أو حرجياً عليه بحدٍّ لا يتحمل عادة أو لا؟
[١] لقمان:١٥.