بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٦٩ - هل يستقر وجوب الحج على ذمة المكلف لو خاف الضرر ولم يحج ثم انكشف الخلاف؟
ثانيها: لو سلّم أن مفاد الآية الكريمة هو النهي عن التعريض للهلاك، إلا أنه مع ذلك لا يتم الاستدلال بها على حرمة تعريض الشخص نفسه للهلاك، لابتناء هذا الاستدلال على كون الآية المباركة ناظرة إلى التهلكة الفردية، مع أنه ليس بواضح بل الأقرب إلى سياقها من حيث سبقها بآيات الجهاد وكون مفاد المقطع الأول منها هو الحث على الإنفاق في سبيل الله أن يكون المراد بالتهلكة المذكورة فيها هو التهلكة الجمعية، بمعنى أنه لولا مشاركة الجميع في المجهود الحربي فإنه سيكون مآل الكل إلى الهلاك, لأن المجهود الحربي مما لا يقوم به إلا كل المتمكنين منه, أي لو تمت المشاركة فيه من الجميع يتحقق النصر وينهزم العدو, وأما مع تخلف البعض وحصول النقص في الإمدادات الضرورية فلا تتحقق النتيجة المطلوبة وربما يؤدي ذلك إلى الهزيمة والانكسار, وفي ذلك تهلكة الجميع من شارك في المجهود الحربي ومن لم يشارك فيه.
فكأن الآية المباركة تحذر من مغبة التقاعس عن الإنفاق في سبيل الله المتمثل في المجهود الحربي، وتنبه على أن الامتناع عنه يؤدي إلى هلاك الجميع. وأين هذا من النهي عن الإقدام الخطري إذا كان متعلقاً بفرد واحد؟!
وهناك وجه آخر في مفاد الآية الشريفة يظهر مما ذكره أبو الصلاح الحلبي [١] حيث قال: إن الآية أمرت بالإنفاق وتوعد المخلّ بالهلاك، فكأن المعنى: يجب عليكم الإنفاق في سبيل الله، ومن لم يفعل ذلك فسيهلكه الله، وعليه لا يكون للآية المباركة علاقة بمحل البحث أيضاً.
ثالثها: لو سلّم أن مفاد الآية المباركة هو النهي عن تعريض النفس للهلاك وأنها ناظرة إلى التهلكة الفردية لا الجمعية، إلا أنه مع ذلك لا يستفاد منها حرمة السفر حرمة واقعية في جميع موارد خوف الهلاك في الطريق, إذ ليس في جميع تلك الموارد يصدق تعريض النفس للهلاك واقعاً، فإنه ربما يبلغ الشخص أن في الطريق من يتعرض للمارة بالخطف والقتل فيخشى من سلوك ذلك الطريق ولكن لا يكون الخبر مطابقاً للواقع, فإن سلوكه عندئذٍ وإن كان مقروناً بالخوف
[١] الكافي ص:١٧٥.