بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٧ - إذا كان الطريق غير آمن من الضرر فهل يجب أداء الحج ام لا؟
فلا يصح القول بأنهم يعاملون الضرر المحتمل معاملة الضرر المقطوع به.
بل أقصى ما يمكن أن يقال هو أن العقلاء يعتنون باحتمال الضرر حيث يبلغ حدّ الخوف، ويتخذون إجراءات الحيطة والحذر بموجبه، فإذا اقتضى الاحتياط صرف النظر عن أمور غير ذات أهمية يكون صرف النظر عنها أخف وأهون من مؤونة الفحص والتحقيق صرفوا النظر عنها، وإن كان العكس اختاروا الفحص. وإذا اقتضى الاحتياط صرف النظر عن أمور لها أهميتها عندهم ــ وإن لم تكن بأهمية حفظ الصحة ــ فلا يتركون تلك الأمور لمجرد خوف الضرر، بل يسعون إلى الفحص والتحقيق واتخاذ الإجراءات المانعة من وقوع الضرر حتى يتسنى لهم استيفاء تلك الأمور المهمة، نعم إذا لم يتيسر لهم الفحص واستقر الخوف عملوا بالاحتياط.
هذه هي طريقة العقلاء في ما يتعلق بأمور حياتهم، والمتشرعة منهم يتعاملون مع الملاكات الشرعية الإلزامية المتمثلة في الواجبات والمحرمات على أنها مما تحظى بالأهمية ــ وإن كانت بدرجات متفاوتة حسب ما يستفاد من الأدلة ــ ولذلك فإنهم لا يقدمون على التخلي عنها لمجرد خوف الضرر إلا إذا كان الخوف مستقراً ولا سبيل إلى دفعه. وحيث إن الشارع المقدس لم يردع عن هذه السيرة التي كانت بمرأى ومشهد منه ــ إذ لو ردع لتمثّل في النصوص والروايات ــ اقتضى ذلك ارتضاءه لها فلا بد من العمل وفقها.
ومقتضى ذلك في محل الكلام: أن خوف التعرض للضرر عند سلوك طريق الحج لا يعدّ عذراً مسوغاً لترك الحج إلا إذا كان الخوف مستقراً ولا تتيسر إزالته, فإنه في هذه الحالة يجوز ترك الحج بسببه، لأن أداء الحج ليس في الدرجة العليا من مقاصد الشريعة بحيث يهون دونه تحمل الضرر أياً كان بل خصوص الضرر المالي والجهد البدني بالمقدار المتعارف كما مرّ.
وأما إذا لم يكن الخوف مستقراً بأن كان بدوياً وربما يزول بما يمكن من الفحص والسؤال أو باتخاذ إجراءات احترازية متعارفة وغير مكلفة فإنه لا يبرر ترك الخروج إلى الحج.