بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٧٩ - دلالة الآية على اعتبار القدرة العرفية في وجوب الحج
أي الذين يكلفهم الصوم مشقة وصعوبة.
إلا أن الظاهر أن الاستطاعة هي التمكن من الشيء ولو بمشقة وصعوبة ولكن من دون أن تبلغ أعلى درجاتها بحيث تؤدي إلى الوقوع في الحرج الشديد الذي لا يتحمل عادة, فإن هذا هو المتفاهم العرفي من لفظ الاستطاعة ومشتقاتها, وأما استعمالها في ما يساوق القدرة العقلية فإنما هو مع الاحتفاف بالقرينة كما لا يخفى على من تتبع موارد الاستعمال في الكتاب والسنة.
والحاصل: أن ما يمنع من حمل الاستطاعة في الآية الكريمة على ما يساوق القدرة العقلية هو عدم كون هذا هو المعنى اللغوي والعرفي لها, لا ما قيل [١] من أنه بعد استقلال العقل باشتراط التكليف بالقدرة لا يمكن أن يكون تصدي المولى لأخذها في لسان الدليل تأكيداً لحكم العقل فقط وإبرازاً لما هو مبرز في نفسه وإلا لكان لغواً وجزافاً حيث لا حاجة إلى هذا التأكيد.
فإنه لا لغوية في تأكيد الأحكام العقلية على لسان الشارع المقدس, ومن هنا قالوا: إن الأوامر والنواهي الواردة في موارد حكم العقل إنما تكون إرشاداً إليه كما في قوله تعالى [٢] : ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)) وقوله تعالى [٣] : ((وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ)) .
وبالجملة: لا مانع من أن يكون ذكر الاستطاعة في آية الحج لمجرد التأكيد على عدم توجه الوجوب إلى العاجز، ولا سيما أن معظم الناس من أهل الآفاق البعيدة كانوا في معرض العجز وعدم التمكن من أداء الحج، لما كان يكتنف أداؤه من المشاق والصعوبات.
الثاني: ما ذهب إليه جمع آخر من أن المستفاد من الآية الكريمة هو اعتبار القدرة العرفية في وجوب الحج, وأساس ذلك أنه لو كانت الاستطاعة مأخوذة في لسان الدليل فلا بد من أن تحمل على معناها العرفي، لأن المحقق في محله من
[١] لاحظ تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:٨ ص:٧٦.
[٢] النساء:٥٩.
[٣] الأنعام:١٥١.