بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٦٠ - من علم أنه سينتابه الجنون لو لم يأخذ دواءً معيناً فهل يلزمه استعماله ليتمكن من أداء الحج؟
بالعصيان على ما تقدم.
وبالجملة: إنه سواء قيل بأن المراد بالاستطاعة التي هي شرط في وجوب حجة الإسلام هو الاستطاعة العرفية أو الاستطاعة الشرعية فإنه لا بد من التفصيل في مفروض الكلام بين حالتين: ما قبل تحقق الاستطاعة وما بعد تحققها، فلا يجوز للمريض الامتناع عن أخذ الدواء المانع من إصابته بنوبة الجنون إلا في الحالة الأولى دون الثانية.
هذا ما يمكن أن يقال في المقام، ولكنه غير تام. والوجه فيه أن حجة الإسلام وإن كانت من قبيل الواجب المعلّق الذي مقتضاه صيرورة وجوبها فعلياً عند تحقق الاستطاعة مع تأخر زمان الإتيان بالمناسك إلى أشهر الحج إلا أنه ليس المراد بفعلية وجوبها قبل حلول الموسم هو فعليته مطلقاً ليقال إنه مع تنجزه بالعلم يحكم العقل بلزوم الامتثال والخروج عن عهدة هذا التكليف مهما أمكن, بل إن فعلية وجوبها منوطة بعدم فقدان شيء من الشروط لاحقاً فإن الواجب المعلّق ليس في واقعه إلا من قبيل الواجب المشروط بالشرط المتأخر, أي أن وجوب الحج يكون فعلياً عند تحقق الاستطاعة بشرط استمرار الحياة وعدم طرو الجنون وبقاء الاستطاعة إلى زمان الإتيان بالمناسك فلو فقد شيء من الشروط قبل ذلك كشف عن عدم فعلية الوجوب من الأول [١] .
وعلى هذا فليس هناك ما يلزم المريض في مفروض البحث بأن يتناول الدواء المانع من طرو الجنون، لأن العقل شرط في فعلية الوجوب فطرو الجنون يكشف عن عدم فعليته من الأول، لا أنه يمنع من امتثال التكليف بعد فعليته وتنجزه كما ذكر.
وبالجملة: إنه لا دليل على أن المكلف ملزم بحفظ الشروط المعتبرة في موضوع التكليف المتوجه إليه لئلا ينتفي بانتفاء بعضها إلا في القدرة إذا لم يكن لها دخل في الملاك, وذلك بناءً على ما هو المشهور بينهم من لزوم تحصيل الملاكات المولوية الإلزامية, وعليه خرّج بعضهم عدم جواز إبطال الطهارة المائية
[١] لاحظ ج:٥ ص:٤٠٠ــ٤٠١.