شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٨ - الشرح
حاكاها بالنار و الحمام الحار و إن غلب عليه الرطوبة حاكاها بالثلج و الشتاء و ان غلب السوداء حاكاها بالاشياء السود و الامور الهائلة، و انما حصلت صورة النار مثلا فى- النخيل عند غلبة الحرارة، لان الحرارة التى فى موضع، تتعدى الى المجاور لها، كما يتعدى نور الشمس الى الاجسام، بمعنى انه يكون سببا لحدوثه، اذ خلقت الاشياء موجودة وجودا فائضا بامثاله على غيره، و القوة المتخيلة منطبعة او متعلقة فى الجسم الحار فيتأثر به تأثيرا يليق بطبعها و عالمها، فهى ليست بجسم حتى تقبل نفس الحرارة فتقبل من الحرارة ما فى طبعها للقبول لها و هو قبول صورتها و مثالها.
و هكذا يكون تأثر النفس عن البدن و البدن عن النفس، فان كلا منهما يتأثر عن صاحبه بنحو من الوجود يناسبه، أ لا ترى انه اذا غلب على النفس الغضب و هو هيئة نفسانية يتأثر منها البدن باحمرار و تسخن و هيئات بدنية؟ و هكذا افاعيل البدن و اوصافه يؤثر فى النفس هيئات نفسانية تناسبها.
و اما سبب معرفة الغيب و رؤية ما لا وجود له فى الخارج فى اليقظة فهو ما اقول:
من ان سبب الحاجة الى النوم و وقوعه مما يكون غالبا من ضعف النفس و كون الحواس شاغلة لها حتى اذا ركدت الحواس اتصلت بالجواهر العقلية و استعدت بالقبول منها، و يمكن ان يكون ذلك لبعض النفوس فى اليقظة من وجهين.
احدهما ان تقوى النفس قوة لا يشغلها بالحواس بحيث يستغرقها و يمنعها، بل تسع قوتها بضبط الجانبين و النظر الى الجهتين: جهة العلو و جهة السفل جميعا فلا يشغلها شأن عن شأن كما تقوى بعض النفوس فيجمع فى حالة واحدة بين ان يكتب و يتكلم و يسمع و يرى، فمثل هذه النفوس يجوز ان يفتر عنها فى بعض الاحوال شغل الحواس و يطلع على عالم الغيب فيظهر لها منه بعض الامور و هذا نوع من النبوة، ثم ان ضعفت المتخيلة و قوى عين الحس الباطن بقى ما انكشف له من الغيب فى حفظه و كان وحيا صريحا، و ان قويت المتخيلة و اشتغلت بطبيعة المحاكاة فيكون هذا الوحى