شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٩ - تبصرة و تذكرة
رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (المطففين- ١٥).
تبصرة و تذكرة
اعلم ان اكثر هؤلاء غرورا و عجبا جماعة اقتصروا على علم الفتاوى و الاحكام و حفظ مسائل الحلال و الحرام، و زعموا انه علم الدين و علم كتاب اللّه و سنة سيد- المرسلين و تركوا علم طريق الآخرة و مجاهدة النفس و تهذيب الباطن عن ذمائم- الاخلاق و نهى النفس عن الهوى و تطهير القلب بالزهد و التقوى عن ارجاس الشهوات و ادناس الخطيئات و رفضوا بالكلية طريق المعرفة و الفقه عن اللّه بادراك عظمته و جلالته و توحيده و تقديسه و ان منه البدء و الانشاء و إليه العود و الرجعى.
و هو العلم الّذي يورث الخوف و الهيبة و الخشوع و به يقع الاطلاع على حقارة الدنيا و دثورها و فنائها و عظمة الآخرة و دوامها و بقائها و به يحصل الوقوف و العثور على حقيقة البعث و النشور، و ذلك من اغمض المعارف و ادق العلوم و اكثر الخلق منه غافلون بل عنه معرضون، قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (ص ٦٧ و ٦٨).
و كثير من القائلين بالبعث على توهمات سخيفة و تخيلات فاسدة او مبهمة، و غاية ما تخيلوا: ان الموت عدم و البعث ايجاد مقيد بانه بعد عدم مثل الايجاد الاول، و الجميع ضلال و اضلال و غلط و وبال.
فاما ظنهم ان الموت عدم فهو باطل، بل الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا. و ان القبر اما روضة من رياض الجنة او حفرة من حفر النيران، و الميت اما سعيد او شقى، اما السعداء فاولئك ليسوا امواتا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (آل عمران- ١٦٩ و ١٧٠)، و اما الاشقياء فهم أيضا احياء بضرب اخر من الحياة، و لذلك ناداهم الرسول صلى اللّه عليه و آله فى واقعة بدر، ثم لما قال له عمر: انهم موتى لا يسمعون قال: ما انتم لما اقوله باسمع منهم لكنهم لا يقدرون على الجواب، و قال تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (غافر- ٤٦).